التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٥٠٣ - شهادة امرأتين تعادل شهادة رجل واحد
يذكّره، و إذا ترك شيئا، تكون شهادته باطلة؛ يعني إذا ترك شيئا ممّا يبيّن الحقّ فكانت شهادته وحده غير كافية لبيانه، فإنّه لا يعتدّ بها و لا بشهادة الآخر و إن بيّنت»[١].
و قالوا في سبب ذلك: إنّ المرأة ليس من شأنها الاهتمام بالأمور الماليّة و نحوها من المعاوضات و لا سيّما الخطيرة منها، فلذلك تكون ذاكرتها فيها ضعيفة، و لا تكون كذلك في الأمور المنزليّة الّتي هي شغلها، فإنّها فيها أقوى ذاكرة من الرجل، يعني أنّ من طبع البشر- ذكرانا و إناثا- أن تقوى ذاكرتهم للأمور الّتي تهمّهم و يكثر اشتغالهم بها. و الأحكام العامّة إنّما تناط بالأكثر في الأمور و بالأصل فيها، و لا تناط بالشاذّ النادر[٢].
*** و كما وجّه الخطاب في أوّل النصّ إلى الكتّاب أن لا يأبوا الكتابة، يوجّهه هنا إلى الشهداء أن لا يأبوا الشهادة، فإنّ في الإباء من الشهادة إضاعة لحقّ. وَ لا يَأْبَ الشُّهَداءُ إِذا ما دُعُوا فتلبية الدعوة للشهادة إذن فريضة و ليست تطوّعا، فهي وسيلة لإقامة العدل و إحقاق الحقّ.
و هنا ينتهي الكلام عن الشهادة، و يعرّج إلى ضرورة الكتابة- كبر الدين أو صغر- و يعالج ما قد يخطر للنفس من استثقال الكتابة، عند حصول الاطمئنان و الاعتماد من الطرفين، لكنّه تعالى يؤكّد على رفض الخجل أو السأم في هكذا مجالات قد لا تحمد عقباها إذا ما أخذ فيها بالإهمال و قلّة المبالاة: وَ لا تَسْئَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَوْ كَبِيراً إِلى أَجَلِهِ ذلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَ أَقْوَمُ لِلشَّهادَةِ وَ أَدْنى أَلَّا تَرْتابُوا حيث الكتابة فيها زيادة التوثّق و الاطمينان عند بلوغ الأجل.
ذلك شأن الدين المسمّى إلى أجل. أمّا التجارة الحاضرة، فإنّها تعفى عن قيد الكتابة، و لا سيّما الصغيرة منها تيسيرا للمعاملات الدارجة يوميّا و تكفي فيها شهادة الشهود إذا كانت خطيرة: إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً حاضِرَةً تُدِيرُونَها بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَلَّا تَكْتُبُوها وَ أَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ في الخطيرة منها.
و بذلك انتهى الكلام عن تشريع الدين و التجارة، و التقى كلاهما عند شرطي الكتابة و الشهادة، و الآن جاء ليقرّر حقوق الكتّاب و الشهداء، كما قرّر واجباتهم من قبل، لقد أوجب عليهم أن لا يأبوا
[١] المصدر.
[٢] راجع ما فصّلناه بهذا الشأن في كتابنا« شبهات و ردود»: ١٣٢- ١٣٦.