التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٥٤ - ملحوظة
أن يكوّن الكون و يوجّه الجهات!
و بعد فنسبة ذاته المقدّسة إلى الأكوان و الجهات نسبة الترفّع و التعالي عنها؛ لأنّها محدثات، و لا تناسب بين الحادث الممكن بالذات، و الأزليّ الواجب بالذات. إنّه تعالى فوق كلّ شيء و متعال عنها، لأنّه أوجدها و أحدثها، و المخلوق تحت رتبة الخالق و الصانع فوق المصنوع، تحتيّة لا بالجهة، و فوقيّة لا بالجهة، بل بالاعتبار و السببيّة المنتزعة ممّا بينهما من نسبة قائمة.
و هذا إذا ما لاحظنا من تباين ما بين عالم المادّة و عالم ما وراء المادّة. و بما أنّنا عائشون في وسط من العالم المادّي، فإذا ما أردنا الإشارة إلى العالم الآخر غير المادّي، أشرنا- طبعا- إلى خارج عالمنا هذا، و هذه الإشارة تقع إلى جهة «فوق»، لا بما أنّه «فوق» بل باعتبار أنّ كلّ خارج عن هذا العالم المادّي- في المحسوس- فوق من كلّ الجهات، حيث الواقف في مركز فضاء كرويّ الشكل، إذا أراد الإشارة إلى خارجها، لا بدّ أن يشير إلى خارج سطح الكرة، الّذي هو فوق بالنسبة إليه من كلّ الجهات.
و هكذا بالنسبة إلينا و نحن عائشون على الأرض، إذا أردنا الإشارة إلى خارج عالمنا هذا، إشارة بالحسّ، لا بدّ أن تقع إشارتنا إلى خارج هذا المحيط، و هو فوق في جميع أكناف الأرض.
و عليه فإذا ما اعتبرنا أنّ تدابير هذا العالم المادّي في جميع أرجائه، تنحدر من عالم وراء المادّة من عند ربّنا العزيز الحكيم، صحّ إطلاق الفوق عليه تعالى، و هكذا التعبير بالنزول من عنده و الصعود إليه و ما أشبه، لا يراد التحديد و الجهة المادّيّة، بل الاعتباريّة، بالنظر إلى ما بين العالمين من تباين و فرق، ذاك في ذروة العلى و الشرف و الغنى، و هذا في خسّة الحضيض و الذلّ و الافتقار.
قال تعالى: وَ إِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَ ما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ[١]، أي ننزّله إلى عالم المادّة تنزيلا بمجرّد الاعتبار. حتّى إذا ما نبت نبت أو نما زرع أو استخرج معدن من تحت الأرض، أو اصطيد سمك من جوف البحر، كان ذلك من بركات صاحب العرش العلى، أسبغه علينا أهل الأرض[٢].
[١] الحجر ١٥: ٢١.
[٢] رسالة ابن شيخ الحزاميّين: ٣٩- ٥٥. نشرت ضمن مجموعة« أربح البضاعة» بمكّة المكرّمة: ١٣٩٣ ه.