التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٦ - سورة البقرة(٢) آية ٢٣١
قال تعالى:
[سورة البقرة (٢): الآيات ٢٣١ الى ٢٣٢]
وَ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَ لا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً لِتَعْتَدُوا وَ مَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَ لا تَتَّخِذُوا آياتِ اللَّهِ هُزُواً وَ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَ ما أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتابِ وَ الْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَ اتَّقُوا اللَّهَ وَ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٣١) وَ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْواجَهُنَّ إِذا تَراضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ ذلِكُمْ أَزْكى لَكُمْ وَ أَطْهَرُ وَ اللَّهُ يَعْلَمُ وَ أَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٢٣٢)
و هنا يأتي دور توجيه الأزواج، توجيههم إلى المعروف و اليسر و الحسنى، بعد الطلاق كما هو الأمر قبل الطلاق؛ إنّ المعروف و الجميل و الحسنى يجب أن تسود جوّ هذه الحياة، سواء اتّصلت حبالها أو انفصمت عراها، و لا يجوز أن تكون نيّة الإيذاء و الإعنات عنصرا من عناصرها، و لا يحقّق هذا المستوى الرفيع من السماحة في حالة الانفصال بالخصوص إلّا إذا ترفّعت النفوس عن الإحن و الضغن، الأمر الّذي يحقّقه عنصر الإيمان باللّه و العقيدة بيوم الجزاء.
قال تعالى: وَ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَ و المقصود من بلوغ الأجل هنا هو قرب انتهاء العدّة الّتي قرّرها في آية سابقة، فإذا قرب الأجل فإمّا رجعة عن نيّة صادقة إمساكا بمعروف. و إمّا تركها، حتّى ينقضي الأجل فتبين و تختار لنفسها ما شاءت، و هذا هو التسريح بإحسان. بلا إيذاء و لا طلب فداء، و بدون عضل، و هو المضايقة و الممانعة، بأنحاء الدسائس الخبيثة. و قد كانت شائعة في العصر الجاهليّ، و ربّما تلبّس بها بعض المسلمين في عصرهم الأوّل، و قد مرّ بعض الحديث عنه.
و من ثمّ قال: وَ لا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً لِتَعْتَدُوا أي الرجعة لغرض الإضرار و عن قصد سوء.
وَ مَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ إذ عاكس حظّه و ناقض فطرته، ظلم نفسه بإيرادها مورد المعصية و الجموح بها عن طريق الطاعة، فضلا عن العدوان بالآخرين.