التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٢٨ - التجربة الثالثة
فقوله: لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي معناه: لينبت و يتحقّق علمي و ينتقل من العلم النظري البرهاني، إلى العلم الضروريّ الوجداني، و ينتقل من معالجة الفكر و النظر إلى بساطة الضرورة و بداهة الوجدان، بيقين المشاهدة و انكشاف المعلوم انكشافا لا يحتاج إلى معاودة الاستدلال و دفع الشّبه عن العقل، و عنده يطمئنّ القلب و يسكن البال عن أيّ احتمال.
و قال أهل العرفان و التصوّف: المراد من الموتى- هنا- القلوب المحجوبة عن أنوار التجلّي و المكاشفات. و الإحياء عبارة عن إشراقات و أنوار ملكوتيّة تفاض على القلوب الواعية المستعدّة.
فقول إبراهيم: أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى طلب لذلك التجلّي و المكاشفات الإشراقيّة، فيحصل بها الاطمئنان و سكون البال.
و قد قال أهل الاستدلال: العلم الاستدلالي ممّا تتطرّق إليه الشبهات، فطلب علما ضروريّا يستقرّ معه القلب استقرارا لا يخالجه شيء من الشكوك و الأوهام[١].
*** و لقد استجاب اللّه لهذا الشوق و التطلّع في قلب إبراهيم، و منحه التجربة الذاتيّة المباشرة:
قالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً وَ اعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ. أمّا و كيف وقعت هذه التجربة، و كيف تحقّقت هذه الاستجابة؟ فقد اختلفت الأنظار فيه:
قال المشهور: لقد أمره اللّه أن يختار أربعة من الطير، فيقرّبهنّ منه و يميلهنّ إليه، بحيث تأنس به، و حتّى يتأكّد هو من شياتهنّ[٢] و مميّزاتهنّ الّتي لا يخطئ معها معرفتهنّ. و أن يذبحهنّ و يمزّق أشلائهنّ و يفرّق أجزائهنّ على الجبال المحيطة به، ثمّ يدعوهنّ، فتتجمّع أجزاؤهنّ مرّة أخرى، و ترتدّ إليهنّ الحياة، و يعدن إليه ساعيات.
و هكذا فعل إبراهيم و تحقّقت التجربة بمشهد منه و مرآه، و رأى السرّ الإلهي يقع بين يديه. و هو السرّ الّذي يقع في كلّ لحظة، و لا يرى الناس إلّا آثاره بعد تمامه؛ إنّه سرّ هبة الحياة، الحياة الّتي جاءت أوّل مرّة بعد أن لم تكن، و الّتي تنشأ مرّات لا حصر لها في كلّ حيّ جديد.
[١] التفسير الكبير ٧: ٣٩.
[٢] الشية: كلّ لون يخالف معظم لون الشيء.