التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٧٠ - سورة البقرة(٢) آية ٢٦٤
نعم، و عند ما يصل التأثّر الوجداني غايته بهذا و ذاك، يتوجّه بالخطاب إلى الّذين آمنوا أن لا يبطلوا صدقاتهم بالمنّ و الأذى، و يرسم لهم مشهدا عجيبا في منظرين عجيبين يتّسقان مع المشهد الأوّل- مشهد الزرع و النماء- و يصوّران كلّا من طبيعة الإنفاق الخالص للّه، و طبيعة الإنفاق المشوب بالمنّ و الأذى، على طريقة التصوير الفنّي في القرآن؛ الّتي تعرض المعنى صورة، و الأثر حركة و الحالة مشهدا شاخصا للخيال[١] يقول تعالى:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَ الْأَذى كَالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النَّاسِ وَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوانٍ عَلَيْهِ تُرابٌ فَأَصابَهُ وابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا.
فمثل إنفاق المرائي في حظّه ممّا أنفق، كمثل حجر صلب أملس، عليه غشاء من غبار، لا ثقل له و لا وزن، فأصابه مطر هاطل من السماء بشدّة، فأزال ما عليها من أثر الغبار إزالة بالغة.
و الوابل: المطر الغزير الهاطل بشدّة، و هطول المطر: نزوله متتابعا عظيم القطر. و إنّما سمّي وابلا، لأنّه في الأكثر يعود وبالا للزرّاع. قال الراغب: الوابل، المطر الثقيل القطار. قال: و لمراعاة الثقل قيل للأمر الّذي يخاف ضرره: و بال.
و الصفوان: الحجارة الملساء الصافية من النشوزات، فلا يثبت عليها عالق، إذا كانت بمعرض هبوب الرياح العاصفة أو الأمطار الغزيرة الهاطلة.
و الحجر الصّلد: هو الّذي لا ينبت. و منه قيل: رأس صلد، لا ينبت شعرا. و ناقة صلود و مصلاد: قليلة اللّبن. و فرس صلود: لا يعرق. و صلد الزند: لم يخرج ناره. قاله الراغب.
[٢/ ٧٦٦٠] أخرج الطستي في مسائله عن ابن عبّاس، أنّ نافع بن الأزرق سأله عن قوله: صَفْوانٍ قال: الحجر الأملس! قال: و هل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم، أ ما سمعت قول أوس بن حجر:
|
على ظهر صفوان كأنّ متونه |
غللن بدهن يزلق المتنزّلا |
|
قال: فأخبرني عن قوله: صَلْداً. قال: أملس. قال: و هل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم، أ ما سمعت قول أبي طالب:
[١] في ظلال القرآن ١: ٤٥١.