التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٧٣ - سورة البقرة(٢) آية ٢٦٥
و الآن فلنشاهد المنظر الآخر، المقابل لمنظر قلب المرائي العاثر، فها هو قلب عامر بالإيمان، نديّ ببشاشة، ينفق ماله ابتغاء مرضاة اللّه، و ينفقه عن ثقة ثابتة في الخير، نابعة من الإيمان، عميقة الجذور في الضمير.
و إذا كان القلب الصلد و عليه ستار من الرياء، يمثّله صفوان عليه غشاء من التراب، فالقلب المؤمن تمثّله جنّة، جنّة خصبة عميقة التربة في مقابل.
قوله تعالى: وَ مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وَ تَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصابَها وابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَها ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌّ وَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ.
هذا هو المنظر الآخر المقابل للمنظر الأوّل- كان منظر قلب مراء عاثر- و ها هو قلب مؤمن عامر بالإيمان، نديّ ببشاشة، ينفق ماله ابتغاء مرضاة اللّه، حيث الخير كلّه في رضاه تعالى.
و كذلك ينفق ماله لتثبيت نفسه، ليكون على ثقة من دينه و ترسيخ إيمانه باللّه تعالى. فلا يعمل لغير رضاه تعالى، و يجهد بكلّ عزمه في سبيل بثّ الخير و في صالح المجتمع العام.
فمثله كمثل جنّة خصبة عميقة التربة- في مقابل حفنة التراب على الصفوان- جنّة تقوم على ربوة: أرض ذات صلاحيّة للزرع و النماء. في مقابل حجر صلد أجرد.
و هذه الأرض الطيّبة يزيد في خصبها و نماء زرعها، هطول الأمطار عليها بغزارة، من غير خوف الفساد، حيث ثبات جذور الزرع و النبات، الأمر الّذي جعل المنظر متناسق الأشكال، فإذا جاء الوابل، لم يذهب بالتربة الخصبة هنا، كما ذهب بغشاء التراب هناك، بل أحياها و أخصبها و أنماها.
و من ثمّ عند ما أصابها وابل، آتت أكلها- ثمرها- ضعفين. أحياها كما تحيي الصدقة قلب المؤمن المعوز، فيزكو و يزداد صلة باللّه. و يزكو ماله كذلك و يضاعف اللّه ما يشاء. و كما تزكو حياة الجماعة المسلمة بمثل هذا الإنفاق- الخالص لوجه اللّه- و تصلح و تنمو.
و حتّى فَإِنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ مطر غزير ثقيل القطار، فَطَلٌ الطلّ: ضعيف المطر و رذاذه.
الأمر الّذي يفي بتبليل الأرض الخصبة و يكفي في إنمائها. حيث القابليّة المؤاتية تتجاوب مع أقلّ الإمكانيّات.
و هكذا تزكو الصدقات و تنمو بركاتها، مهما تواجدت شرائطها متوفّرة أو مقصورة.
و كما قال سيّد قطب: بحقّ إنّه مشهد كامل، لمنظرين متقابلين متناسقي الجزئيّات، مشهد