التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٢٥ - غرائب آثار
بختنصّر: لأقتلنّ بني إسرائيل أبدا حتّى يسكن هذا الدم و كان ذلك الدم دم يحيى بن زكريا عليه السّلام، و كان في زمانه ملك جبّار يزني بنساء بني إسرائيل، و كان يمرّ بيحيى بن زكريا، فقال له يحيى: اتّق اللّه أيّها الملك، لا يحلّ لك هذا! فقالت له امرأة من اللّواتي كان يزني بهنّ حين سكر: أيّها الملك اقتل يحيى! فأمر أن يؤتى برأسه، فأتي برأس يحيى عليه السّلام في طشت، و كان الرأس يكلّمه و يقول له: يا هذا اتّق اللّه و لا يحلّ لك هذا. ثمّ غلى الدم في الطشت حتّى فاض إلى الأرض، فخرج يغلي و لا يسكن، و كان بين قتل يحيى و خروج بختنصّر مائة سنة، فلم يزل بختنصّر يقتلهم و كان يدخل قرية قرية فيقتل الرجال و النساء و الصبيان و كلّ حيوان، و الدم يغلي و لا يسكن، حتّى أفنى من بقي منهم، ثمّ قال:
هل بقي أحد في هذه البلاد؟ قالوا: عجوز في موضع كذا و كذا، فبعث إليها فضرب عنقها على الدم فسكن، و كانت آخر من بقي.
ثمّ أتى بابل فبنى بها مدينة، و أقام و حفر بئرا فألقى فيها دانيال و ألقى معه لبوة[١] فجعلت اللّبوة تأكل طين البئر و يشرب دانيال لبنها، فلبث بذلك زمانا فأوحى اللّه إلى النبيّ الّذي كان ببيت المقدس أن اذهب بهذا الطعام و الشراب إلى دانيال و اقرأه منّي السّلام، قال: و أين هو يا ربّ؟ قال:
في بئر بابل في موضع كذا و كذا. قال: فأتاه فاطّلع في البئر، فقال: يا دانيال، قال: لبّيك، صوت غريب، قال: إنّ ربّك يقرئك السّلام و قد بعث إليك بالطعام و الشراب، فدلّاه إليه، فقال دانيال: الحمد للّه الّذي لا ينسى من ذكره، الحمد للّه الّذي لا يخيب من دعاه، الحمد للّه الّذي من توكّل عليه كفاه، الحمد للّه الّذي من وثق به لم يكله إلى غيره، الحمد للّه الّذي يجزي بالإحسان إحسانا، الحمد للّه الّذي يجزي بالصبر نجاة، الحمد للّه الّذي يكشف ضرّنا عند كربتنا، الحمد للّه الّذي هو ثقتنا حين تنقطع الحيل منّا، الحمد للّه الّذي هو رجاؤنا حين ساء ظنّنا بأعمالنا.
قال: فأري بختنصّر في نومه كأنّ رأسه من حديد و رجليه من نحاس و صدره من ذهب، قال:
فدعا المنجّمين، فقال لهم: ما رأيت؟ فقالوا ما ندري، و لكن قصّ علينا ما رأيت، فقال لهم: و أنا أجري عليكم الأرزاق منذ كذا و كذا و لا تدرون ما رأيت في المنام؟ فأمر بهم فقتلوا! فقال له بعض من كان عنده: إن كان عند أحد شيء فعند صاحب الجبّ، فإنّ اللّبوة لم تعرّض له، و هي تأكل الطين
[١] اللّبوة: أنثى الأسد.