التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٤٩ - تفسيرها
تفسيرها
و أمّا تفسيرها فلنعلم أنّ هذه الآية جاءت بعد ذكر الرسل و تفاضلهم في مواقفهم تجاه أممهم، و أنّهم جميعا كانوا على خطّ واحد و منهج واحد، غير أنّ الاختلاف جاء من قبل تصادم آراء و تضارب أهواء، أثيرت من بعد الرسل، و من ثمّ ناسب الكلام عن تلك الوحدة الإيمانيّة و الوحدة السلوكيّة، اللّتين جاء بهما الرسل، و الآية تقرّر التصوّر الإيماني الموحّد، عن اللّه و عن صفاته الجمال و الكمال، و الّتي تتبيّن منها معنى الوحدانيّة النزيهة، في أدقّ مجالاته و أوضح سماته.
و الآية- في هذا المجال- جليلة و عميقة و صريحة البيان:
قال تعالى: اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَ لا نَوْمٌ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَ ما خَلْفَهُمْ وَ لا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِما شاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ لا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما وَ هُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ.
كلّ صفة من هذه الصفات الّتي تضمّنتها الآية، تمثّل قاعدة يقوم عليها التصوّر الإسلامي المتين، كما يقوم عليها المنهج الإسلامي القويم.
قوله تعالى: اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ ...
اللَّهُ اسم خاصّ، علم للباري تعالى، تعرفه جميع الأمم و الأجيال بهذا الاسم في مختلف تعابيرهم، يعرفونه الخالق الباري المتعالي[١]. لكنّها معرفة إجماليّة، و ربّما غير منزّهة.
فليعلموا الآن- و بفضل تعاليم الإسلام- أنّه لا إِلهَ إِلَّا هُوَ، وحدانيّة حاسمة لا مجال فيها لأيّ انحراف أو لبس، ممّا طرأ على الديانات السابقة- بعد الرسل- كعقيدة التثليث المبتدعة في المجامع الكنسيّة بعد عيسى عليه السّلام و لا لأيّ غبش ممّا كان يرين على العقائد الوثنيّة، الّتي تميل إلى التوحيد، و لكنّها تلبسه بالأساطير، و كعقيدة قدماء المصريّين- في وقت من الأوقات- بوحدانيّة اللّه، ثمّ تلبيس هذه الوحدانيّة بتمثّل الإله في قرص الشمس، و وجود إله صغير خاضعة للإله الكبير!
[١] وَ لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ سَخَّرَ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ.( العنكبوت ٢٩: ٦١). و آيات أمثالها كثيرة.