التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٠٨ - وقفة فاحصة عند قوله تعالى ليس عليك هداهم
يخشى أن يكون قد توانا في تبليغ رسالة اللّه و قصّر في الأداء. فجاءت الآية لتطمئنّه على وفائه في الأداء و استيفاء التبليغ، غير أنّ الموفى إليهم قلوبهم صلد لا حياة فيها و لا إحساس وَ قالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا ما يُؤْمِنُونَ[١]. أو كما قالوا لنبيّهم عن خبث و لؤم: قالُوا يا شُعَيْبُ ما نَفْقَهُ كَثِيراً مِمَّا تَقُولُ[٢].
و من ثمّ جاء- خطابا للنبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم-: إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ. لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ[٣]. أي لا عليك أن لم يؤمنوا، لأنّك قد ذكّرت و بلّغت و أوفيت، أمّا التأثير فشأنهم هم، و مدى استحقاقهم لعناية اللّه لهم، و قد حرموها.
*** و الآية- في مفتتحها- جاءت لهذا الغرض، فلا تذهب نفسه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم حسرات عليهم على أن لم يؤمنوا بهذا الحديث، على وضوحه و جلاء بيانه.
فلا يضيق صدره بهم و هو يدعوهم و يعطف عليهم. فليرتقب إذن اللّه لقلوبهم في الهدى و توفيقهم إليه بمعرفته حيث يشاء، حيث تواجدت شرائطه و استعدّوا للقبول و الاستسلام. لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ وَ لكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ.
فلتفسح لهم صدرك، و لتفض عليهم سماحتك، و لتبذل لهم الخير و العون ما احتاجوا إليه منك و رغبوا فيك، و أمرهم إلى اللّه. و لا عتبى عليك.
و بعد تقرير هذا الأصل أي السماحة في الدين و الرفق بحال المدعوّين و مداراتهم في الهداية و التوجيه الدينيّ، عطف الكلام عن واقع الإنفاق في سبيله تعالى، و إنّه عائدة تعود إليهم بعوائدها في نهاية المطاف: وَ ما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ تعود منافعها، و لكن على شريطة أن يكون إنفاقا لوجه اللّه، الأمر الّذي هو من شأن المؤمن الصادق الإيمان: وَ ما تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ اللَّهِ أي هذا شأن المؤمن و خصّيصته، فإنّه بذاته يجعل مساعيه في الحياة، كلّها في سبيل مرضاته تعالى. و من ثمّ وَ ما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَ أَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ في توفية الجزاء.
[١] البقرة ٢: ٨٨.
[٢] هود ١١: ٩١.
[٣] الغاشية ٨٨: ٢٢.