التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣١١ - تفسير الآية
ثمّ لا بدّ أن كانت هناك دلائل و شواهد على سباته تلك الفترة الطويلة، و علاوة على ذلك كانت دلائل آيات اللّه أيضا لائحة عليها.
و من ثمّ جاء التعقيب بقوله تعالى: فَانْظُرْ إِلى طَعامِكَ وَ شَرابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَ انْظُرْ إِلى حِمارِكَ وَ لِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَ انْظُرْ إِلَى الْعِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها ثُمَّ نَكْسُوها لَحْماً فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
فقد كانت هناك أشلاء متمزّقة و أعضاء متفتّتة، دليلا على طول الأمد في اندثارها. و إلى جنبها أشياء باقية على حالتها الأولى سليمة لم تتغيّر، ممّا كان وجودها مقارنا مع وجود تلكم الأشلاء المتمزّقة.
فما هذا البقاء و ذلك الفناء، في أشياء متقارنة الوجود، إلّا دلائل واضحة على عظيم قدرة اللّه، و هو فاعل الإفناء و الإبقاء على حدّ سواء.
هذا ما ظهر لهذا النبيّ ظهورا بالحسّ و العيان، و ليكون على يقين و اطمئنان، كما في قصّة إبراهيم عليه السّلام الآتية.
نعم، و هذه الآثار المحسوسة لم تكن في طعام الرجل و لا شرابه؛ إذ لم يكونا آسنين متعفّنين:
فَانْظُرْ إِلى طَعامِكَ وَ شَرابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ: لم يتغيّر، من السّنة، لأنّ مرّ السنين يوجب التغيّر يقال:
شجرة سنهاء أي معمّرة مضت عليها سنون. و كذا الماء المسنون: المتغيّر المنتن على أثر مضيّ الزمان. و هكذا الآسن: الماء المتغيّر.
[٢/ ٧٥٥٢] و أخرج الطستي في مسائله عن ابن عبّاس: أنّ نافع بن الأزرق سأله عن قوله: لَمْ يَتَسَنَّهْ. قال: لم تغيّره السّنون! قال: و هل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم، أ ما سمعت قول الشاعر:
|
طاب منه الطعم و الريح معا |
لن تراه يتغيّر من أسن[١] |
|
*** و إذن فلا بدّ أنّ هذه الآثار المحسوسة كانت متمثّلة في شخصه أو في حماره: وَ انْظُرْ إِلى حِمارِكَ وَ لِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَ انْظُرْ إِلَى الْعِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها نركّب بعضها على بعض[٢] ثُمَّ نَكْسُوها لَحْماً.
[١] الدرّ ٢: ٣٠.
[٢] و قد كانت مبعثرة منتشرة هنا و هناك.