التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٧٢ - سورة البقرة(٢) الآيات ٢٤٣ الى ٢٤٥
أحسّوا به، فمرّوا بمدينة خربة باد أهلها على أثر الوباء، فنزلوا بها و حطّوا رحالهم فلمّا اطمأنّوا بها جاءتهم البليّة من حيث لم يحتسبوا فأماتتهم جميعا، فصاروا عظاما و هبّت عليهم الريّاح[١].
قلت: و لعلّه كان على ممرّ العرب في رحلتهم الصيفيّة، فكانوا قد وقفوا على مرّ الحادثة!
و على أيّة حال، ليس بالمهمّ أن نعرف شخصيّة القوم الّذين هربوا من الموت. إنّما العمدة أنّها عبرة و عظة ينبغي التوجّه إلى مغزاها، إنّما يراد هنا تصحيح التصوّر عن الموت و الحياة و أسبابهما الظاهرة و حقيقتها المضمرة، و ردّ الأمر فيهما إلى القدرة المدبّرة، و الاطمئنان إلى قدر اللّه في الحياة، فالمقدّر كائن، و الموت و الحياة بيد اللّه في نهاية المطاف، نعم إنّ للإنسان سعيه في المضيّ على تعهّداته في الحياة و التكاليف و الواجبات المفروضة عليه، من دون هلع و لا جزع، و الأمر إلى اللّه.
إنّ الفزع و الهلع، من غير رويّة و لا دراية، لا يزيدان حياة و لا يردّان قضاء[٢]، و إنّ اللّه هو واهب الحياة، و هو آخذ الحياة، و إنّه متفضّل في الحالتين: حين يهب و حين يستردّ، و الحكمة الإلهيّة الكبرى كامنة خلف الهبة و الاسترداد، و إنّ مصالح الناس متحقّقة في هذا و ذاك، و إنّ فضل اللّه عليهم متواجدة في الأخذ و المنح سواء:
إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَ لكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ.
إذن فلا موقع للتخلّي عن فريضة الجهاد في سبيل اللّه، الّذي فيه حياة الأمّة و حياة الشريعة و الدّين. وَ قاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ لأقوالكم عَلِيمٌ بما في قلوبكم.
*** هذا و الجهاد في سبيل اللّه بذل و تضحية، و لا سيّما في تلك الفترة، حيث كان الجهاد تطوّعا، و المجاهد ينفق على نفسه، و قد يقعد به المال حين لا يقعد به الجهد، فلم يكن بدّ من الحثّ المستمرّ على الإنفاق- من قبل أهل الثراء- لتيسير الطريق للمجاهدين. و هنا تجيء الدعوة إلى الإنفاق- و أنّه إيداع المال حيث ينمو و لا يذهب ضياعا- دعوة موحية دافعة:
[١] الكافي ٨: ١٩٨- ١٩٩/ ٢٣٧. و سيأتي تفصيل الحديث.
[٢] قال أبو الطيّب:
|
يرى الجبناء أنّ الجبن حزم |
و تلك خديعة الطبع اللئيم |
|