التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٨٠ - سورة البقرة(٢) آية ٢٦٦
فيغرس مثل بستانه، و لا يجد خيرا قدّم لنفسه يعود عليه، كما لم يغن عن هذا ولده و حرم أجره عند أفقر ما كان إليه، كما حرم هذا جنّته عند أفقر ما كان إليها عند كبره و ضعف ذرّيّته.
قال: و هو مثل ضربه اللّه للمؤمن و الكافر فيما أوتيا في الدنيا، كيف نجى المؤمن في الآخرة و ذخر له من الكرامة و النعيم، و خزن عنه المال في الدنيا، و بسط للكافر في الدنيا من المال ما هو منقطع، و خزن له من الشرّ ما ليس بمفارقه أبدا و يخلد فيها مهانا، من أجل أنّه فخر على صاحبه و وثق بما عنده و لم يستيقن أنّه ملاق ربّه[١].
[٢/ ٧٦٨٦] و أخرج ابن جرير عن عبد الملك، عن عطاء، قال: سأل عمر الناس عن هذه الآية فما وجد أحدا يشفيه، حتّى قال ابن عبّاس و هو خلفه: يا أمير المؤمنين إنّي أجد في نفسي منها شيئا، قال: فتلفّت إليه، فقال: تحوّل هاهنا، لم تحقّر نفسك! قال: هذا مثل ضربه اللّه- عزّ و جلّ- فقال:
أ يودّ أحدكم أن يعمل عمره بعمل أهل الخير و أهل السعادة، حتّى إذا كان أحوج ما يكون إلى أن يختمه بخير حين فني عمره و اقترب أجله، ختم ذلك بعمل من عمل أهل الشقاء، فأفسده كلّه فحرّقه أحوج ما كان إليه[٢].
و هذا الخبر أخرجوه بطرق فيها بعض زيادة و نقص:
[٢/ ٧٦٨٧] أخرج عبد بن حميد و ابن المنذر عن ابن عبّاس قال: قال عمر بن الخطّاب: قرأت الليلة آية أسهرتني: أَ يَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَ أَعْنابٍ فقرأها كلّها فقال: ما عنى بها؟
فقال بعض القوم: اللّه أعلم! فقال: إنّي أعلم أنّ اللّه أعلم، و لكن إنّما سألت إن كان عند أحد منكم علم و سمع فيها شيئا أن يخبر بما سمع؟ فسكتوا. فرآني و أنا أهمس. قال: قل يا ابن أخي و لا تحقّر نفسك.
قلت: عنى بها العمل. قال: و ما عنى بهذا العمل؟ قلت: شيء ألقي في روعي فقلته. فتركني و أقبل و هو يفسّرها[٣]، ثمّ التفت إليّ و قال: صدقت يا ابن أخي، عنى بها العمل، ابن آدم أفقر ما يكون إلى جنّته إذا كبرت سنّه و كثر عياله، و ابن آدم أفقر ما يكون إلى عمله يوم القيامة، صدقت يا ابن أخي[٤].
[١] الطبري ٣: ١٠٧/ ٤٧٧٨؛ ابن أبي حاتم ٢: ٥٢٣- ٥٢٤/ ٢٧٧٨؛ الدرّ ٢: ٤٨؛ ابن كثير ١: ٣٢٧.
[٢] الطبري ٣: ١٠٥/ ٤٧٧٢.
[٣] و لعلّ الصحيح: و هو يستفسرهم.
[٤] الدرّ ٢: ٤٧؛ كنز العمّال ٢: ٣٥٦/ ٤٢٢٨.