التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣١٥ - غرائب آثار
نوح. فلمّا سمع إرميا وحي ربّه، صاح و بكى و شقّ ثيابه، و نبذ الرماد على رأسه، فقال: ملعون يوم ولدت فيه و يوم لقيت التوراة، و من شرّ أيّامي يوم ولدت فيه، فما أبقيت آخر الأنبياء إلّا لما هو شرّ عليّ، لو أراد بي خيرا ما جعلني آخر الأنبياء من بني إسرائيل، فمن أجلي تصيبهم الشقوة و الهلاك.
فلمّا سمع اللّه تضرّع الخضر! و بكاءه و كيف يقول، ناداه: إرميا أشقّ عليك ما أوحيت إليك؟
قال: نعم يا ربّ أهلكني في بني إسرائيل ما لا أسرّ به! فقال اللّه: و عزّتي العزيزة لا أهلك بيت المقدس و بني إسرائيل حتّى يكون الأمر من قبلك في ذلك. ففرح عند ذلك إرميا لما قال له ربّه و طابت نفسه، و قال: لا و الّذي بعث موسى و أنبياءه بالحقّ، لا آمر ربّي بهلاك بني إسرائيل أبدا، ثمّ أتى ملك بني إسرائيل و أخبره بما أوحى اللّه إليه، ففرح و استبشر و قال: إن يعذّبنا ربّنا فبذنوب كثيرة قدّمناها لأنفسنا، و إن عفا عنّا فبقدرته. ثمّ إنّهم لبثوا بعد هذا الوحي ثلاث سنين لم يزدادوا إلّا معصية و تمادوا في الشرّ، و ذلك حين اقترب هلاكهم، فقلّ الوحي، حتّى لم يكونوا يتذكّرون الآخرة، و أمسك عنهم حين ألهتهم الدنيا و شأنها، فقال ملكهم: يا بني إسرائيل انتهوا عمّا أنتم عليه قبل أن يمسّكم بأس من اللّه، و قبل أن يبعث عليكم ملوك لا رحمة لهم بكم، فإنّ ربّكم قريب التوبة، مبسوط اليدين بالخير، رحيم من تاب إليه، فأبوا عليه أن ينزعوا عن شيء ممّا هم عليه.
و إنّ اللّه ألقى في قلب بختنصّر بن نعون بن زادان! أن يسير إلى بيت المقدس، ثمّ يفعل فيه ما كان جدّه سنحاريب! أراد أن يفعله. فخرج في ستّمائة ألف راية يريد أهل بيت المقدس، فلمّا فصل سائرا أتى ملك بني إسرائيل الخبر أنّ بختنصّر أقبل هو و جنوده يريدكم، فأرسل الملك إلى إرميا، فجاءه فقال: يا إرميا، أين ما زعمت لنا أنّ ربّنا أوحى إليك أن لا يهلك أهل بيت المقدس حتّى يكون منك الأمر في ذلك؟! فقال إرميا للملك: إنّ ربّي لا يخلف الميعاد، و أنا به واثق، فلمّا اقترب الأجل، و دنا انقطاع ملكهم، و عزم اللّه على هلاكهم، بعث اللّه ملكا من عنده، فقال له: اذهب إلى إرميا فاستفته، و أمره بالّذي تستفتيه فيه، فأقبل الملك إلى إرميا، و قد تمثّل له رجلا من بني إسرائيل، فقال له إرميا: من أنت؟ قال: رجل من بني إسرائيل أستفتيك في بعض أمري، فأذن له، فقال الملك: يا نبيّ اللّه أتيتك أستفتيك في أهل رحمي، وصلت أرحامهم بما أمرني اللّه به، لم آت إليهم إلّا حسنا، و لم آلهم كرامة، فلا تزيدهم كرامتي إيّاهم إلّا إسخاطا لي، فأفتني فيهم يا نبيّ اللّه، فقال له: