التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٥١٩ - هل كانت نية السوء سيئة؟
يبعثه مجرّد الثواب على الصدقة، و إن كان يعلم من نفسه أنّه لو لا الرغبة في الثواب لم يبعثه مجرّد الرئاء على الإعطاء.
و لا كمن له ورد في الصلاة و عادة في الصدقات، و اتّفق أن حضر في وقتها جماعة، فصار الفعل أخفّ عليه و حصل له نشاط ما بسبب حضورهم، و إن كان يعلم من نفسه أنّهم لو لم يحضروا أيضا لم يكن يترك العمل أو يفتر عنه، البتّة.
فأمثال هذه الخواطر ممّا يخلّ بصدق النيّة. و بالجملة فكلّ عمل قصدت به القربة، و انضاف إليه حظّ من حظوظ الدنيا، بحيث تركّب الباعث عليه من دينيّ و نفسيّ، فنيّتك فيه غير صادقة، سواء كان الباعث الدينيّ أقوى من الباعث النفسيّ أو أضعف أو مساويا[١].
هل كانت نيّة السوء سيّئة؟
قال الشهيد السعيد الإمام أبو عبد اللّه محمّد بن مكّي العاملي: لا تؤثّر نيّة المعصية عقابا و لا ذمّا، ما لم يتلبّس بها، و هو ما ثبت في الأخبار العفو عنه[٢].
و لو نرى المعصية و تلبّس بما يراه معصية، فظهر خلافها، ففي تأثير النيّة نظر؛ من أنّها لمّا لم تصادف المعصيّ فيه، صارت كنيّة مجرّدة، و هو غير مؤاخذ بها؛ و من دلالتها على انتهاكه الحرمة و جرأته على المعاصي!
و قد ذكر بعض الفقهاء[٣]: أنّه لو شرب المباح متشبّها بشارب المسكر، فعل حراما.
و لعلّه ليس بمجرّد النيّة، بل بانضمام فعل الجوارح إليها.
قال: و يتصوّر محلّ النظر في صور:
منها: ما لو وجد امرأة في منزل غيره فظنّها أجنبيّة فأصابها، فتبيّن أنّها زوجته. و منها: لو وطأ
[١] البحار ٦٧: ٢٣٢؛ كتاب الأربعين؛ ٢٢٤- ٢٢٥، ذيل الحديث ٣٧.
[٢] تظاهرت الأخبار عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و الأئمّة من ذرّيّته عليهم السّلام بأنّ من همّ بمعصية و لم يعملها، لم يؤاخذ على نيّته المجرّدة. راجع: صحيح مسلم ١: ٨٢. و البخاري ٨: ١٩٨. و مسند أحمد ١: ٣١٠. و الكافي ٢: ٤٢٩- ٤٣٠، باب من يهمّ بالحسنة أو السيّئة. و البحار ٦٨: ٢٤٥- ٢٥٦. و سيأتي الكلام عن ذلك.
[٣] هو أبو الصلاح الحلبي في كتابه الكافي في الفقه: ١١٧( مخلوط بمكتبة السيّد الحكيم العامّة في النجف برقم ٦٤١).