التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٥٢ - تفسيرها
اعتقاديّة، إنّما يضع قاعدة من قواعد الدستور للحياة البشريّة و نوع الارتباطات الّتي تقوم فيها كذلك.
قوله تعالى: مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ و هذه صفة أخرى من صفاته تعالى، توضّح مقام الألوهيّة و مقام العبوديّة، فالعبيد جميعا يقفون في حضرة الألوهيّة موقف العبوديّة، لا يتعدّونه و لا يتجاوزونه، يقفون في مقام العبد الخاشع الخاضع، الّذي لا يقدم بين يدي ربّه، و لا يجرأ على الشفاعة عنده، إلّا بعد أن يؤذن له. فيخضع للإذن و يشفع في حدوده. و هم يتفاضلون فيما بينهم، و يتفاضلون في ميزان اللّه. و لكنّهم- جميعا- يقفون عند الحدّ الّذي لا يتجاوزه عبد.
إنّه الإيحاء بالجلال و الهيمنة في ظلّ الألوهيّة الجليلة العليّة. و يزيد هذا الإيحاء عمقا صيغة الاستفهام الاستنكاريّة، الّتي توحي بأنّ هذا أمر لا يكون، و أنّه مستنكر أن يكون. فمن هذا الّذي يشفع عنده إلّا بإذنه؟!
و في ظلّ هذه الحقيقة تبدو سائر التصوّرات المنحرفة للّذين جاءوا من بعد الرسل فخلطوا بين حقيقة الألوهيّة و حقيقة العبوديّة؛ فزعموا اللّه- سبحانه- خليطا يمازجه أو يشاركه بالبنوّة أو بغيرها من الصور في أيّ شكل و في أيّ تصوّر. أو زعموا له- سبحانه- أندادا يشفعون عنده فيستجيب لهم حتما. أو زعموا له- سبحانه- من البشر خلفاء يستمدّون سلطانهم من قرابتهم له.
في ظلّ هذه الحقيقة تبدو تلك التصوّرات كلّها مستنكرة مستبعدة لا تخطر على الذهن، و لا تجول في الخاطر، و لا تلوح بظلّها في خيال!
و هذه هي النصاعة الّتي يتميّز بها التصوّر الإسلامي، فلا تدع مجالا لتلبيس أو وهم، أو اهتزاز في الرؤية! الألوهيّة ألوهيّة، و العبوديّة عبوديّة. و لا مجال لالتقاء طبيعتهما أدنى التقاء. و الربّ ربّ، و العبد عبد، و لا مجال لمشاركة في طبيعتهما و لا التقاء.
فأمّا صلة العبد بالربّ، و رحمة الربّ للعبد، و القربى و الودّ و المدد، فالإسلام يقرّرها و يسكبها في النفس سكبا، و يملأ بها قلب المؤمن و يفيضها عليه فيضا، و يدعه يعيش في ظلالها النديّة