التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٥٠ - تفسيرها
و هذه الوحدانيّة الحاسمة الناصعة هي القاعدة الّتي يقوم عليها التصوّر الإسلامي، و الّتي ينبثق منها منهج الإسلام للحياة كلّها. فعن هذا التصوّر ينشأ الاتّجاه إلى اللّه وحده بالعبوديّة و العبادة، فلا يكون إنسان عبدا إلّا للّه. و لا يتّجه بالعبادة إلّا للّه، و لا يلتزم بطاعة إلّا طاعة اللّه، و ما يأمره اللّه به من الطاعات.
و عن هذا التصوّر تنشأ قاعدة: الحاكميّة للّه وحده، فيكون اللّه وحده هو المشرّع للعباد، و يجيء تشريع البشر مستمدّا من شريعة اللّه.
و عن هذا التصوّر تنشأ قاعدة استمداد القيم كلّها من اللّه، فلا اعتبار لقيمة من قيم الحياة.
و هكذا إلى آخر ما ينبثق عن معنى الوحدانيّة، من مشاعر في الضمير أو مناهج لحياة الناس في الأرض على السواء.
قوله تعالى: الْحَيُّ الْقَيُّومُ و الحياة الّتي يوصف بها الإله الواحد، هي الحياة الذاتيّة الّتي لم تأت من مصدر آخر كحياة الخلائق المكسوبة الموهوبة لها من الخالق العظيم. و من ثمّ يتفرّد اللّه- سبحانه- بالحياة على هذا المعنى. كما أنّها الحياة الأزليّة الأبديّة الّتي لا تبدأ من مبدأ و لا تنتهي إلى نهاية، فهي متجرّدة عن معنى الزمان المصاحب لحياة الخلائق المكتسبة المحدّدة البدء و النهاية. و من ثمّ يتفرّد اللّه- سبحانه- كذلك بالحياة على هذا المعنى.
ثمّ إنّها هي الحياة المطلقة من الخصائص الّتي اعتاد الناس أن يعرفوا بها الحياة. فاللّه- سبحانه- ليس كمثله شيء. و من ثمّ يرتفع كلّ شبه من الخصائص الّتي تتميّز بها حياة الأشياء، و تثبت للّه صفة الحياة مطلقة من كلّ خصيصة تحدّد معنى الحياة في مفهوم البشر، و تنتفي بهذا جميع المفهومات الأسطوريّة الّتي جالت في خيال البشر.
أمّا صفة الْقَيُّومُ فتعني قيامه- سبحانه- على كلّ موجود، كما تعني قيام كلّ موجود به فلا قيام لشيء إلّا مرتكنا إلى وجوده- تعالى- و تدبيره و عن إرادته بالذات في كلّ آن من الآنات، و من ثمّ يظلّ ضمير المسلم و حياته و وجوده و تصرّفاته، بل و كلّ شيء من حوله، مرتبطا باللّه الواحد، ارتباطا ذاتيّا على دوام، و أنّه- تعالى- هو الّذي أمره و أمر كلّ شيء حوله، وفق حكمة و تدبير