التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٤٣ - سورة البقرة(٢) آية ٢٥٤
تقدرون فيه على ابتياع ما كنتم على ابتياعه بالنفقة من أموالكم الّتي أمرتكم به، أو ندبتكم إليه في الدنيا، قادرين، لأنّه يوم جزاء و ثواب و عقاب، لا يوم عمل و اكتساب و طاعة و معصية، فيكون لكم إلى ابتياع منازل أهل الكرامة بالنفقة حينئذ، أو بالعمل بطاعة اللّه، سبيل.
ثمّ أعلمهم- تعالى ذكره- أنّ ذلك اليوم، مع ارتفاع العمل الّذي ينال به رضى اللّه، أو الوصول إلى كرامته بالنفقة من الأموال، إذ كان لا مال هنالك يمكن إدراك ذلك به، يوم لا مخالّة فيه نافعة كما كانت في الدنيا، فإنّ خليل الرجل في الدنيا قد كان ينفعه فيها بالنصرة له على من حاوله بمكروه و أراده بسوء، و المظاهرة له على ذلك. فآيسهم- تعالى ذكره- أيضا من ذلك، لأنّه لا أحد يوم القيامة ينصر أحدا من اللّه، بل الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ[١] كما قال اللّه تعالى ذكره.
و أخبرهم أيضا أنّهم يومئذ مع فقدهم السبيل إلى ابتياع ما كان لهم إلى ابتياعه سبيل في الدنيا بالنفقة من أموالهم، و العمل بأبدانهم، و عدمهم النصراء من الخلّان، و الظهراء من الإخوان، لا شافع لهم يشفع عند اللّه كما كان ذلك له في الدنيا، فقد كان بعضهم يشفع في الدنيا لبعض بالقرابة و الجوار و الخلّة، و غير ذلك من الأسباب، فبطل ذلك كلّه يومئذ، كما أخبر- تعالى ذكره- عن قيل أعدائه من أهل الجحيم في الآخرة إذا صاروا فيها: فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ. وَ لا صَدِيقٍ حَمِيمٍ[٢]. و هذه الآية مخرجها في الشفاعة عامّ و المراد بها خاصّ. و إنّما معناه: من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه و لا خلّة و لا شفاعة لأهل الكفر باللّه، لأنّ أهل ولاية اللّه و الإيمان به، يشفع بعضهم لبعض[٣].
[١] الزخرف ٤٣: ٦٧.
[٢] الشعراء ٢٦: ١٠٠- ١٠١.
[٣] الطبري ٣: ٦- ٧.