التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٧٥ - مشروعية الجهاد في الإسلام
حكما شرعيّا بنفي الإكراه على الدين و الاعتقاد.
و إن كان حكما إنشائيّا تشريعيّا، كما يشهد به ما عقّبه من قوله: قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِ كان نهيا من الحمل على الاعتقاد و الإيمان كرها، و هو نهي متّك على حقيقة تكوينيّة، و هي الّتي مرّ بيانها: أنّ الإكراه إنّما يؤثّر بشأن الأفعال الخارجيّة لا المعتقدات القلبيّة[١].
*** و بعد فالإسلام هو أرقى تصوّر للوجود و للحياة، و أقوم منهج للمجتمع الإنساني بلا مراء، هو الّذي ينادي بأن لا إكراه في الدين، و هو الّذي يفرض على معتنقيه أن يدعو الناس على اختيارهم فلا يكرهوا أحدا على قبول الدين، حيث الدين- بطبيعته الذاتيّة- يرفض إمكان الإكراه عليه.
ثمّ إنّه لا يزيد السياق على أن يلمس الضمير البشري لمسة توقظه، و تشوّقه إلى اختيار الهدى، و تهديه إلى الطريق، و تبيّن حقيقة الإيمان الّتي أعلن أنّها أصبحت واضحة، و هو يقول: قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ.
فالإيمان هو الرشد الّذي ينبغي للإنسان أن يتوخّاه و يحرص عليه، و الكفر هو الغيّ الّذي ينبغي للإنسان أن ينفر منه و يتّقي أن يوصم به! نعم، و الأمر كذلك فعلا، فما يتدبّر الإنسان نعمة الإيمان، و ما تمنحه للإدراك البشري من تصوّر ناصع واضح، و ما تمنحه للقلب البشري من طمأنينة و سلام، و ما تثيره في النفس البشريّة من اهتمامات رفيعة و مشاعر نظيفة، و ما تحقّقه في المجتمع الإنساني من نظام سليم قويم دافع إلى تنمية الحياة و ترقيتها، ما يتدبّر الإنسان نعمة الإيمان على هذا النحو، حتّى يجد فيها الرشد الّذي يتقبّله كلّ ذي قلب سليم، و لا يرفضه إلّا سفيه، يترك الرشد إلى الغيّ، و يدع الهدى إلى الضلال، و يؤثر التخبّط و القلق و الهبوط و الضآلة، على الطمأنينة و السّلام و الرفعة و الاستعلاء!
مشروعية الجهاد في الإسلام
و إذ كان أمر الدين، إنّما يستقيم على البرهان و الاستدلال، و لا ينفع أيّ إرهاب أو إرعاب، فما موضع قتال أهل الكفر في الإسلام؟: فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ[٢]. وَ قاتِلُوا
[١] الميزان ٢: ٣٦٠- ٣٦١.
[٢] التوبة ٩: ١٢.