التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٩٩ - سورة البقرة(٢) الآيات ٢٤٦ الى ٢٥٢
هذه الآية تشير إلى قصّة عظيمة من تاريخ بني إسرائيل، و فيها العبرة و العظة.
القرآن يأتي بذكر الحوادث التاريخيّة لغرض العبرة بها، و يختار لذلك ما هو من تاريخ أهل الشرائع، حيث كان أقرب إلى الهدف الّذي جاء لأجله القرآن.
هذه القصّة هي حادث انتقال نظام حكومة بني إسرائيل من الصبغة الشوريّة، المعبّر عندهم بعصر القضاة، إلى الصبغة الملكية، المعبّر عنها بعصر الملوك.
و ذلك أنّه لمّا توفّي موسى عليه السّلام في حدود سنة ١٣٨٠ قبل الميلاد، خلّفه في الأمّة الإسرائيليّة يوشع بن نون، الّذي عهد له موسى في آخر حياته بأن يخلفه. فلمّا صار أمر بني إسرائيل إلى يوشع جعل لأسباط بني إسرائيل حكّاما يسوسونهم و يقضون بينهم، و سمّاهم القضاة. فكانوا في مدن متعدّدة، و كان من أولئك الحكّام أنبياء، و كان هناك أنبياء غير حكّام. و كان كلّ سبط من بني إسرائيل يسيرون على ما يظهر لهم، و كان من قضاتهم و أنبيائهم «صموئيل بن ألقانة» من سبط أفرايم، قاضيا لجميع بني إسرائيل، و كان محبوبا عندهم. فلمّا شاخ و كبر وقعت حروب بين بني إسرائيل و الفلسطينيّين و كانت سجالا بينهم، ثمّ كان الانتصار للفلسطينيّين، فأخذوا بعض قرى بني إسرائيل حتّى أنّ تابوت العهد- الّذي سيأتي الكلام عليه- استلبه الفلسطينيّون و ذهبوا به إلى «أشدود» بلادهم و بقي بأيديهم عدّة أشهر.
فلمّا رأت بنو إسرائيل ما حلّ بهم من الهزيمة، ظنّوا أنّ سبب ذلك هو ضعف صموئيل عن تدبير أمورهم، و ظنّوا أنّ انتظام أمر الفلسطينيّين لم يكن إلّا بسبب النظام الملكي. و كانوا يومئذ يتوقّعون هجوم «ناحاش» ملك العمونيّين عليهم أيضا. فاجتمعت إسرائيل و أرسلوا عرفاءهم من كلّ مدينة، و طلبوا من صموئيل أن يقيم لهم ملكا يقاتل بهم في سبيل اللّه. فاستاء صموئيل من ذلك و حذّرهم عواقب حكم الملوك و نصحهم: «إنّ الملك يأخذ بنيكم لخدمته و خدمة خيله و يتّخذ منكم من يركض أمام مراكبه، و يسخر منكم حرّاثين لحرثه، و عمله لعدد حربه و أدوات مركبه، و يجعل بناتكم عطّارات و طبّاخات و خبّازات، و يصطفي من حقولكم و كرومكم و زياتينكم، أجودها فيعطيها لخصيانه و عبيده. و يأخذ عبيدكم و جواريكم و شبّانكم الحسان و حميركم و يستعملهم لشغله. و يعشّر غنمكم و أنتم تكونون له عبيدا، فتصرخون في ذلك اليوم من وجه ملككم الّذي