التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٨٥ - المعاهدة مع الكفار
فَمَا اسْتَقامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ[١]. وَ إِنْ نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَ طَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ[٢].
هذا هو منهج الإسلام الحكيم: سلم لمن سالمنا و حرب لمن حاربنا.
أمّا الموادعون فهم في أمان. و أمّا المناوءون فلا أمان لهم، ما داموا يشكّلون خطرا على المسلمين.
أمّا أن يكون هناك إكراه أحد على اعتناق الإسلام أو إرعابه أو التهديد عليه، فهذا أمر غريب عن طبيعة الدين و يرفضه الإسلام و هو دين سلام.
و عليه فكلّ ما قيل أو يقال ممّا ينافي هذا المبدأ الرصين، فهو من الزخرف الباطل، ناشئ عن الجهل بحقيقة هذا الدين الحنيف.
*** و من المؤسف ما ينسب إلى بعض السلف ممّا يخالف هذه الحقيقة الناصعة:
[٢/ ٧٤٩٥] أخرج ابن جرير و أبو إسحاق و ابن أبي حاتم و عبد بن حميد و عبد الرزّاق و أبو داود في ناسخه عن قتادة و كذا عن الحسن و الضحّاك: أنّ آية نفي الإكراه نزلت بشأن أهل الكتاب، أمّا العرب فكانوا أمّة أميّة لم يكن لهم دين، فإنّهم أكرهوا على الدين بالسيف![٣].
قلت: لا شكّ أنّه وهم وهموه، و أخذوا من عتاة العرب- ممّن نقضوا الميثاق و لم يراعوا عهدا من المسلمين- مقياسا، لهذا الحكم العامّ، الّذي هو مخالف لصريح القرآن، و لقد صحّ قول مقاتل بن حيّان: إنّ هذا زعم زعمه الضحّاك!![٤].
[٢/ ٧٤٩٦] نعم روى أحمد و أبو يعلى بالإسناد إلى أنس: أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال لرجل من بني النجّار: «يا خال، أسلم! فقال: إنّي أجدني كارها! قال: أسلم، و إن كنت كارها!»[٥].
[١] التوبة ٩: ٧.
[٢] التوبة ٩: ١٢.
[٣] الطبري ٣: ٢٤؛ الثعلبي ٢: ٢٣٥؛ البغوي ١: ٣٥٠؛ ابن أبي حاتم ٢: ٤٩٣- ٤٩٤. عبد الرزّاق ١: ٣٦٣؛ الدرّ ٢: ٢١- ٢٢؛ التبيان ٢: ٣١١؛ أبو الفتوح ٣: ٢٣٥.
[٤] راجع: الثعلبي ٢: ٢٣٦.
[٥] مسند أحمد ٣: ١٠٩ و ١٨١؛ أبو يعلى ٦: ٤٠٦/ ٣٧٦٥؛ مجمع الزوائد ٥: ٣٠٥؛ قال: رواه أحمد و أبو يعلى و رجالهما رجال الصحيح.