التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٨٧ - المعاهدة مع الكفار
وَ اللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ يسمع منطق الألسنة، و يعلم مكنون القلوب. فالمؤمن الموصول به آمن في كنفه الفسيح؛ لا يبخس و لا يظلم و لا يخيب.
*** ثمّ يمضي السياق ليصوّر في مشهد حسّي حيّ متحرّك، طريق الهدى و طريق الضلال؛ و كيف يكون الهدى و كيف يكون الضلال، يصوّر كيف يأخذ اللّه بأيدي المؤمنين ليخرجهم من ظلمات الجهالات إلى النور، بينما الطواغيت تأخذ بأيدي الّذين كفروا لتخرجهم من بصيص نور، ربما كان قد أضاء لهم الدرب، إلى غياهب الظلمات.
اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ.
إنّ الإيمان نور، نور واحد في طبيعته و حقيقته، و الكفر ظلمات، ظلمات متعدّدة متنوّعة.
و لكنّها كلّها ظلمات.
قال سيّد قطب: و ما من حقيقة أصدق و لا أدقّ من التعبير عن الإيمان بالنور، و التعبير عن الكفر بالظلمة. إنّ الإيمان نور يشرق به كيان المؤمن أوّل ما ينبثق في ضميره، تشرق به روحه فتشفّ و تصفو و تشعّ من حوله نورا و وضاءة و وضوحا، نور يكشف حقائق الأشياء و حقائق القيم و حقائق التصوّرات، فيراها قلب المؤمن واضحة بغير غبش، بيّنة بغير لبس، مستقرّة في مواضعها بغير أرجحة، فيأخذ منها ما يأخذ، و يدع منها ما يدع، في هوادة و طمأنينة و ثقة و قرار، نور يكشف الطريق إلى الناموس الكونيّ، فيطابق المؤمن بين حركته و حركة الناموس الكونيّ من حوله و من خلاله، و يمضي في طريقه إلى اللّه هيّنا ليّنا، لا يعتسف و لا يصطدم بالنتوءات، و لا يخبط هنا و هناك، فالطريق في فطرته مكشوف معروف!
و هو نور واحد يهدي إلى طريق واحد. فأمّا ضلال الكفر فظلمات شتّى منوّعة، ظلمة الهوى و الشهوة، ظلمة الشرود و التيه، ظلمة الكبر و الطغيان، ظلمة الضعف و الذلّ، ظلمة الرياء و النفاق، ظلمة الطمع و السّعر[١]، ظلمة الشكّ و القلق، و ظلمات شتّى لا يأخذها الحصر، تتجمّع كلّها عند
[١] السعر: النهم، الجوع الشديد.