التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٨٣ - سورة البقرة(٢) آية ٢٨٠
قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَ ذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ. فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَ رَسُولِهِ وَ إِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَ لا تُظْلَمُونَ و بعد تلك العظة البالغة العامّة الشاملة، جاء دور توجيه الخطاب إلى الجماعة المسلمة المعاصرة لنزول الخطاب، فليكفّوا عن شنيعتهم تلك المقيتة، أمّا إن لم ينتهوا، فليعلموا أنّهم بإصرارهم على عملهم الجاهليّ القديم، معلنون بحرب شعواء ضدّ تعاليم الإسلام، فيصبحوا بعد إيمانهم كفّارا محاربين للّه و لرسوله.
لكنّهم إن تابوا و انتهوا عن مراودة الربا، فإنّ لهم رءوس أموالهم مجرّدة تعود إليهم، أمّا الأرباح الّتي كانوا يتوقّعونها فتعود إلى المدينين. لا تظلمون في اقتضاء ربح، و لا تظلمون في مصادرة رءوس أموالكم. و هذا هو مقتضى كلّ عقد فاسد، أو ما تبيّن فساده بعد، فإنّ كلّا من العوضين يعود إلى صاحبه القديم.
قوله تعالى: وَ إِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ وَ أَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ و لمّا كان قوله تعالى- في الآية السابقة-: فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوالِكُمْ، قد يستشعر منه استرجاع رءوس الأموال معجّلة- حسب مقتضى انفساخ العقود الباطلة- جاءت الآية هنا لاستدراك هذا المعنى، و أنّ الإسلام لا يفسح المجال للدائن ليطارد المدين المعسر، حتّى و لو حلّ أجله. فيجب بحكم قانون العدل إنظاره إلى ميسرته، أو يسمح له بالإبراء و التصدّق بذلك في سبيل مرضاته تعالى. و هذا إحسان إلى جنب ذلك العدل. إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ الْإِحْسانِ[١].
و هذا هو منهج الإسلام الحنيف، فمن شاء فليؤمن و من شاء فليكفر. و من ثمّ عقّبه بقوله: إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ، فإن كانوا صادقين في إيمانهم فليرضخوا لدستوراته الحكيمة المبتنية على أساس العدل و الإحسان.
*** ثمّ يجيء التعقيب العميق الإيحاء، الّذي ترجف منه النفس المؤمنة، و تتمنّى لو تنزّل عن الدين كلّه، ثمّ تمضي ناجية من سخط اللّه يوم الحساب: وَ اتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ
[١] النحل ١٦: ٩٠.