التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٨٥ - وقفة عند مسألة الربا
بالآخرين، فلا يكون من جرّائها تعويق أو تعطيل لجريان الأرزاق بين العباد، و دوران المال في الأيدي على أوسع نطاق، الأمر الّذي يعني: توزيع الثروة العادل، فلا تتضخّم الثروات في أيدي الأغنياء، و يظلّ الفقراء محرومين: كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِياءِ مِنْكُمْ[١]، أي تتداول الأموال على أيدي الأثرياء فحسب، فتتزايد و تتضخّم ثرواتهم في أحجام هائلة. و هم القلّة من أفراد المجتمع، و يبقى الفقراء، و هم الأكثريّة البالغة، مدقعين؛ قد أدقع بهم الفقر و أذاقهم الأمرّين من متع الحياة!!
هذا ما كانت عليه الجاهليّة الأولى، تتشكّل مجتمعاتهم من طبقتين: طبقة راقية موسّع عليهم و في رفاه بالغ، و هم القلّة القليلة، تائهون في نشواتهم و نزقاتهم، و لا يهمّهم شيء سوى استثمار المعوزين، مستغلّين فرصة افتقارهم و حاجتهم بالذات، لا رحمة و لا انصاف.
و هؤلاء الفقراء المعوزون هم الكثرة الكثيرة الّذين يشكّلون الطبقة الأخرى، الكبيرة حجما، الحقيرة وضعا و حالا.
جاء الإسلام ليكافح هذه الطّبقيّة الغاشمة الجائرة إلى حدّ بعيد. كما و كتب عليهم الطهارة في النيّة و العمل، و النظافة في الوسيلة و الغاية، و فرض عليهم قيودا في تنمية المال لا تجعلهم يسلكون إليها سبلا تؤذي ضمير الفرد و خلقه، أو تؤذي حياة الجماعة و كيانها ...[٢].
و الإسلام، أقام هذا النظام العادل على أساس التصوّر الممثّل لحقيقة الواقع في الوجود، و على أساس عهد الاستخلاف الّذي يحكم كلّ تصرّفات الإنسان المستخلف، في هذا الملك العريض.
و من ثمّ فإنّ الربا- في حقيقته- عمليّة تصطدم مع قواعد التصوّر الإيماني إطلاقا، لأنّه يصطدم مع النظام في صميم كيانه المبتني على أساس «توزيع الثروة العادل» دون تضخّمها في جانب، و ضئالتها بل ضحالتها في جانب آخر.
و كذلك يصطدم مع أصل السواسيّة في الانتفاع بمباهج الطبيعة و معطياتها لكلّ عايش في ظلّ رحمتها، كلّ حسب استعداده و طاقاته، و المساعي الّتي يبذلها في سبيل التمتّع بلذائذ الحياة.
و كذلك يصطدم مع قانون التعاضد و التعاون و التكافل الاجتماعي، الحاكم على جميع أنظمة
[١] الحشر ٥٩: ٧.
[٢] يراجع: فصل« سياسة الإسلام» في كتاب« العدالة الاجتماعيّة في الإسلام» لمحمّد قطب.( في ظلال القرآن ١: ٤٦٦- ٤٧٥).