التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٩٦ - التجربة الأولى
التجربة الأولى
و الآية الأولى تحكي حوارا بين إبراهيم عليه السّلام و ملك في أيّامه يجادله في اللّه. قيل: هو نمروذ بن كوش من ولد حام بن نوح، و كان ملكا جبّارا و هو الّذي بنى بابل بأرض شنعار. و كان إبراهيم بن تارح من ولد سام بن نوح. ولد إبراهيم بأرض «أور كلدان- شوش» و هاجر مع أبيه إلى أرض «حرّان» بلاد شنعار (العراق)[١]. فلعلّ نمروذ هذا هو الّذي جادل إبراهيم في ربّه[٢]، و القرآن لا يذكر اسمه، لأنّ ذكر اسمه لا يزيد من العبرة الّتي تمثّلها الآية شيئا.
و هذا الحوار يعرض على النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و على الجماعة المسلمة في أسلوب التعجيب من هذا المجادل، و كأنّما مشهد الحوار يعاد عرضه من ثنايا التعبير القرآني العجيب: أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ.
أ لم تر؟ إنّه تعبير التشنيع و التفظيع، و إنّ الإنكار و الاستنكار لينطلقان من بنائه اللفظي و بنائه المعنوي سواء، فالفعلة منكرة حقّا: أن يأتي الحجاج و المكابرة بسبب نعمة الملك، الّتي أنعمها اللّه عليه بالذات، و أن يدّعي عبد لنفسه ما هو من اختصاص الربّ المتعال، و أن يستقلّ حاكم بحكمه الناس بهواه دون أن يستمدّ قانونه من اللّه!!
إنّ هذا الملك لم يكن منكرا لوجود اللّه و لا كونه خالق الكون و بارئه، إنّما أنكر وحدانيّته تعالى في الربوبيّة و التصريف في شئون الحياة.
و من ثمّ ناقضه إبراهيم بقضيّة الموت و الحياة: إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَ يُمِيتُ.
و الإحياء و الإماتة هما الظاهرتان المكرورتان في كلّ لحظة، المعروضتان لحسّ الإنسان و عقله. و هما- في الوقت نفسه- السرّ الّذي يحير، و الّذي يلجئ الإدراك البشري إلجاء إلى مصدر آخر غير بشري. و لا بدّ من الالتجاء إلى الألوهيّة القاهرة، القادرة على الإنشاء و الإفناء، لحلّ هذا اللغز الّذي يعجز عنه كلّ الأحياء.
إنّنا لا نعرف شيئا عن حقيقة الحياة و حقيقة الموت، حتّى اللحظة الحاضرة، و لكنّنا ندرك
[١] راجع: سفر التكوين- الأصحاح ١٠- ١١.
[٢] حسبما جاء في الروايات الإسلاميّة.