التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٥٣٥ - هل كانت الآية منسوخة؟
و الخواطر ليست هي و لا دفعها في الوسع، بل هو أمر غالب، و ليست ممّا يكسب و لا يكتسب، و كان في هذا البيان فرح الصحابة و كشف كربهم[١].
و هكذا ذكر ابن عاشور: أنّ إطلاق النسخ على هذا اصطلاح للمتقدّمين، و المراد: البيان و التخصيص[٢].
و قال الشيخ أبو جعفر الطوسيّ: يجوز أن تكون الآية الثانية بيّنت الأولى و أزالت توهّم من صرف ذلك إلى غير وجهه، فلم يضبط الرواية فيه و ظنّ أنّ ما يخطر للنفس أو تحدّث نفسه به ممّا لا يتعلّق بتكليفه، أنّ اللّه يؤاخذه به، و الأمر بخلاف ذلك، و إنّما المراد بالآية ما يتناوله الأمر و النهي، من الاعتقادات و الإرادات[٣] و غير ذلك ممّا هو مستور عنّا، فأمّا ما لا يدخل في التكليف[٤] فخارج عنه، لدلالة العقل.
[٢/ ٨٢٤٩] قال: و لقوله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «تجوّز لهذه الأمّة عن نسيانها و ما حدّثت به أنفسها»[٥].
و يشهد لهذا التأويل، الحديث التالي:
[٢/ ٨٢٥٠] أخرج ابن جرير و ابن منذر من طريق الزّهريّ عن ابن عبّاس قال: لمّا نزلت: وَ إِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ .. ضجّ المؤمنون منها ضجّة و قالوا: يا رسول اللّه: هذا نتوب من عمل اليد و الرجل و اللسان كيف نتوب من الوسوسة؟ كيف نمتنع منها؟ فجاء جبريل بهذه الآية: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها إنّكم لا تستطيعون أن تمتنعوا من الوسوسة[٦].
[٢/ ٨٢٥١] و أخرج ابن جرير عن أبي هريرة، قال: لمّا نزلت: لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ وَ إِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ اشتدّ ذلك على القوم، فقالوا: يا رسول اللّه إنّا لمؤاخذون بما نحدّث به أنفسنا؟ هلكنا! فأنزل اللّه- عزّ و جلّ-: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها
[١] المحرّر الوجيز ١: ٣٨٩- ٣٩٠.
[٢] التحرير و التنوير ٢: ٥٩٧.
[٣] ممّا تكون اختياريّة و إن كانت قلبيّة مستورة عن غيره سوى اللّه.
[٤] من الخواطر و الهواجس غير الإراديّة.
[٥] التبيان ٢: ٣٨٢، و هكذا أبو عليّ الطبرسيّ في مجمع البيان ٢: ٢٢٦.
[٦] الدرّ ٢: ١٣٣٣- ١٣٤؛ الطبري ٣: ٢٠٩/ ٥٠٩٩؛ الثعلبي ٢: ٣٠٦.