التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٨٣ - تأويلات بشأن الحادثة
أولئك الميّتون، فالموت و الإحياء واقعان في مجموعهم، على ما عهدنا من أسلوب القرآن، إذ خاطب بني إسرائيل في زمن تنزيله بما كان من آبائهم الأوّلين بمثل قوله تعالى: نَجَّيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ[١]. و قوله: ثُمَّ بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ[٢]. و غير ذلك. و قلنا: إنّ الحكمة في هذا الخطاب تقرير معنى وحدة الأمّة و تكافلها، و تأثير سيرة بعضها في بعض، حتّى كأنّها شخص واحد، و كلّ جماعة منها كعضو منه، فإن انقطع العضو العامل لم يكن مانعا من مخاطبة الشخص بما عمله قبل قطعه، و هذا الاستعمال معهود في سائر الكلام العربيّ؛ يقال: هجمنا على بني فلان حتّى أفنيناهم أو أتينا عليهم، ثمّ أجمعوا أمرهم و كرّوا علينا- مثلا- و إنّما كرّ عليهم من بقي منهم.
قال: و إطلاق الحياة على الحالة المعنويّة الشريفة في الأشخاص و الأمم، و الموت في مقابلها معهود، كقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَ لِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ[٣]. و قوله:
أَ وَ مَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَ جَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها[٤].
قال: و انظر إلى دقّة التعبير في عطف الأمر بالموت، على الخروج من الديار، بالفاء الدالّة على اتّصال الهلاك بالفرار من العدوّ، و إلى عطفه الإخبار بإحيائهم بثمّ الدالّة على تراخي ذلك و تأخّره.
و لأنّ الأمّة إذا شعرت بعلّة البلاء بعد وقوعه بها و ذهابه باستقلالها، فإنّه لا يتيسّر لها تدارك ما فات إلّا في زمن طويل و جهد جزيل.
قال السيّد رشيد الرضا: ما قرّره الاستاذ الإمام هو ما يعطيه النظم البليغ و تؤيّده السنن الحكيمة. و أمّا الموت الطبيعيّ فهو لا يتكرّر، كما علم من سنّة اللّه[٥].
قال الاستاذ عبده- بعد ذاك التقرير-: هذا هو المتبادر، فلا نحمل القرآن ما لا يحمل، لنطبّقه على بعض قصص بني إسرائيل! و القرآن لم يقل: إنّ أولئك الألوف منهم، كما قال في الآيات الآتية و غيرها.
قال: لو فرض صحّة ما قالوه من أنّهم هربوا من الطاعون، و أنّ الفائدة في إيراد قصّتهم بيان أنّه
[١] البقرة ٢: ٤٩.
[٢] البقرة ٢: ٥٦.
[٣] الأنفال ٨: ٢٤.
[٤] الأنعام ٦: ١٢٢.
[٥] و هذا لا ينافي تكرّره بخرق العادة، عند اقتضاء الحكمة.