التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣١٦ - غرائب آثار
أحسن فيما بينك و بين اللّه، وصل ما أمرك اللّه به أن تصل، و أبشر بخير، فانصرف عنه الملك، فمكث أيّاما ثمّ أقبل إليه في صورة ذلك الرجل الّذي جاءه، فقعد بين يديه، فقال له إرميا: من أنت؟ قال:
أنا الرجل الّذي أتيتك في شأن أهلي، فقال له نبيّ اللّه: أو ما طهرت لك أخلاقهم بعد، و لم تر منهم الّذي تحبّ؟ فقال: يا نبيّ اللّه، و الّذي بعثك بالحقّ ما أعلم كرامة يأتيها أحد من الناس إلى أهل رحمه إلّا و قد أتيتها إليهم و أفضل من ذلك، فقال النبيّ عليه السّلام: ارجع إلى أهلك فأحسن إليهم، أسأل اللّه الّذي يصلح عباده الصالحين أن يصلح ذات بينكم، و أن يجمعكم على مرضاته، و يجنّبكم سخطه.
فقام الملك من عنده، فلبث أيّاما، و قد نزل بختنصّر بجنوده حول بيت المقدس أكثر من الجراد، ففزع بنو إسرائيل فزعا شديدا، و شقّ ذلك على ملك بني إسرائيل، فدعا إرميا، فقال: يا نبيّ اللّه، أين ما وعدك اللّه؟ قال: إنّي بربّي واثق! ثمّ إنّ الملك أقبل إلى إرميا و هو قاعد على جدار بيت المقدس يضحك و يستبشر بنصر ربّه الّذي وعده، فقعد بين يديه، فقال له إرميا: من أنت؟ قال:
أنا الّذي كنت استفتيتك في شأن أهلي مرّتين. فقال له النبيّ عليه السّلام: أو لم يأن لهم أن يفيقوا من الّذي هم فيه؟ فقال الملك: يا نبيّ اللّه، كلّ شيء كان يصيبني منهم قبل اليوم كنت أصبر عليه، و أعلم أنّما قصدهم في ذلك سخطي! فلمّا أتيتهم اليوم رأيتهم في عمل لا يرضى اللّه و لا يحبّه اللّه! فقال النبيّ عليه السّلام: على أيّ عمل رأيتهم؟ قال: يا نبيّ اللّه رأيتهم على عمل عظيم من سخط اللّه، و لو كانوا على مثل ما كانوا عليه قبل اليوم لم يشتدّ عليهم غضبي، و صبرت لهم و رجوتهم، و لكن غضبت اليوم للّه و لك، فأتيتك لأخبرك خبرهم، و إنّي أسألك باللّه الّذي بعثك بالحقّ إلّا ما دعوت عليهم ربّك أن يهلكهم. فقال إرميا: يا مالك السماوات و الأرض، إن كانوا على حقّ و صواب فأبقهم، و إن كانوا على سخطك و عمل لا ترضاه، فأهلكهم. فلمّا خرجت الكلمة من فيّ إرميا أرسل اللّه صاعقة من السماء في بيت المقدس، فالتهب مكان القربان و خسف بسبعة أبواب من أبوابها، فلمّا رأى ذلك إرميا صاح و شقّ ثيابه، و نبذ الرماد على رأسه، فقال: يا ملك السماء، و يا أرحم الراحمين، أين ميعادك الّذي وعدتني؟ فنودي إرميا: إنّه لم يصبهم الّذي أصابهم إلّا بفتياك الّتي أفتيت بها رسولنا.
فاستيقن النبيّ عليه السّلام أنّها فتياه الّتي أفتى بها ثلاث مرّات، و أنّه رسول ربّه، فطار إرميا حتّى خالط الوحوش.