التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٨٤ - المعاهدة مع الكفار
ثمّ ذكر أحكام المستأمن و مراودته في بلاد المسلمين، و أنّه في أمان من دمه و ماله و عرضه، و يجري عليه ما يجري على المسلمين من المواطنين، الأمر الّذي جرى عليه المسلمون في طول تاريخهم المجيد.
[٢/ ٧٤٩٤] و روى بالإسناد إلى ابن عبّاس- في قوله تعالى: إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئاً وَ لَمْ يُظاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَداً فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ[١]- قال:
توجّه ذلك إلى كلّ من كان بينه و بين رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم عهد قبل نزول براءة.
قال الشيخ: و ينبغي أن يكون ابن عبّاس أراد بذلك من كان بينه و بين رسول اللّه عقد هدنة، أو إلى قوم من المشركين لم يتعرّضوا له صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بعداوة، و لا ظاهروا عليه عدوّه؛ لأنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم صالح أهل هجر و أهل البحرين و دومة الجندل، و أيلة و أذرح و أهل جرباء[٢]، و هم ناس من أهل الكتاب، في توجّهه إلى تبوك أو في مرجعه منها. و له عهود الصلح و الحرب غير هذه، و لم ينبذ إليهم بنقض عهد، و لا حاربهم بعد أن صاروا أهل ذمّة، إلى أن مضى لسبيله، و وفي لهم بذلك من بعده. قال: فمن حمل ذلك (البراءة و نبذ العهد) على جميع العهود، فقد أخطأ[٣].
*** قلت: المستفاد من الكتاب و السنّة و سيرة الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و خلفائه، أنّ الكفّار بأسرهم- سواء أ كانوا أهل الكتاب أم غيرهم- إن رضخوا للسلم، و التعايش مع المسلمين بسلام، فهم آمنون في ظلّ الإسلام، بشروط تعقد معهم من قبل الدولة، و من له ولاية أمر المسلمين، فما وفوا بالشرط وفي لهم بالعهد، وَ إِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها[٤].
و قد اصطلح الفقهاء على التعبير بالذمّي بشأن أهل الكتاب. و المعاهد لمن انعقد معه عهد الأمن من سائر الكفّار.
نعم، إذا نقض الذمّي ذمّته أو المعاهد عهده، فإنّه لا أمان له، ما دام على عدائه للإسلام و المسلمين.
[١] التوبة ٩: ٤.
[٢] راجع: سيرة ابن هشام ٤: ١٦٩.
[٣] التبيان ٥: ١٧٢.
[٤] الأنفال ٨: ٦١. و جاء التأنيث في الضمير باعتبار أنّ السّلم بمعنى المسالمة.( مجمع البيان ٤: ٥٥٥).