التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٨٢ - المعاهدة مع الكفار
الأكيد عليه كتابا و سنّة، بل هو إن لم يكن من الضروريّات، فلا ريب في كونه من القطعيّات ...»[١].
*** غير أنّ الآية لا عموم فيها، و اللّام- في المشركين- عهديّة، إشارة إلى المعهودين من مشركي العرب آنذاك ممّن نقضوا العهود و تعرّضوا للمسلمين غير مرّة. قال تعالى: بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَ رَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ. قال الزجّاج: معناه: قد برئ اللّه و رسوله من إعطائهم العهود و الوفاء لهم بها، إذ نكثوا[٢].
و من ثمّ قال تعالى- تعقيبا على ذلك-: فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ... أي رجعتم إلى الوفاء بالعهد و عدم التعرّض لأذى المسلمين، و ذلك بدليل قوله تعالى- بعد ذلك-: إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئاً وَ لَمْ يُظاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَداً فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ.
ثمّ قال- أخيرا-: فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ الّتي يحرم فيها القتال فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ أي أولئك الّذين نكثوا و نبذوا عهودهم حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَ خُذُوهُمْ وَ احْصُرُوهُمْ وَ اقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تابُوا وَ أَقامُوا الصَّلاةَ وَ آتَوُا الزَّكاةَ أي أسلموا و رضخوا لأحكام الإسلام، إذ لا عهد لهم بعد ذلك النقض العارم فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ[٣]. و الإسلام يجبّ ما قبله.
انظر إلى قوله تعالى- بعد ذلك-: وَ إِنْ نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَ طَعَنُوا فِي دِينِكُمْ كي يفتنوا المؤمنين فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ أي دعاته العتاة الطغاة إِنَّهُمْ لا أَيْمانَ لَهُمْ لا يفون لأيّ عهد أو ميثاق، بغيا و عتوّا لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ خوفا و خشية من شكوة أهل الإيمان.
ثمّ يقول: أَ لا تُقاتِلُونَ قَوْماً نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ وَ هَمُّوا بِإِخْراجِ الرَّسُولِ إشارة إلى وقعة الأحزاب تحالف مشركو العرب و تحالف معهم اليهود، و همّوا باستئصال الإسلام نهائيّا. وَ هُمْ بَدَؤُكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ[٤] أي كان التحرّش من جانبهم هم، فكان يجب مقابلتهم و الدفاع عن كيان الإسلام.
و بعد فالمتحصّل من هذه الآيات- و هي عمدة مستند القول بجواز المبادرة إلى قتال سائر الكفّار، هو وجوب مقابلتهم و الضرب على أيديهم المعتدية. و لا مساس لها بالموادعين ممّن لا
[١] جواهر الكلام ٢١: ٤٧، كتاب الجهاد.
[٢] مجمع البيان ٥: ٧.
[٣] التوبة ٩: ١- ٥.
[٤] التوبة ٩: ١٢- ١٣.