التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٨٣ - المعاهدة مع الكفار
يبغي الفساد و لا فتنة العباد.
و يقول: وَ إِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ. فليس المشرك بما هو مشرك ممّا يستوجب إباحة دمه، و إنّما هو التخلّف عن مواضع العهد و التحرّش للآمنين. و لذلك يقول تعالى: كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَ عِنْدَ رَسُولِهِ أي بعد نقضهم ذلك الفظيع.
نعم إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ فَمَا اسْتَقامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ.
كَيْفَ يكون للمشركين عهد وَ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَ لا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْواهِهِمْ وَ تَأْبى قُلُوبُهُمْ وَ أَكْثَرُهُمْ فاسِقُونَ. اشْتَرَوْا بِآياتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلًا فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ. لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَ لا ذِمَّةً وَ أُولئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ[١].
إذن فهم فريق من المشركين ممّن نبذوا العهود و نقضوا المواثيق، و من ثمّ لا تنفعهم بعد ذلك معاهدة أخرى سوى الدخول في حظيرة الإسلام و الاستسلام لقيادته الحكيمة.
[٢/ ٧٤٩٣] رووا عن جابر بن عبد اللّه الأنصاري، قال: «كانوا- أي المسلمون على عهد الرسول- لا يقتلون تجّار المشركين. و قالوا: إنّما نقتل من قاتل، و هؤلاء لا يقاتلون»[٢].
هذا و نرى ابن حزم يصرّح بجواز قتل عامّة المشركين ممّن قاتل أو لم يقاتل، تاجرا أو أجيرا و حتّى الشيخ الكبير، كان ذا رأي أو لم يكن. و الفلّاح و الأسقف و القسّيس و الراهب، و كذا الأعمى و المقعد، يجوز قتلهم أجمع. قال: و جائز استبقاؤهم أيضا[٣]. أي إذا رأى الإمام ذلك و كان فيه مصلحة.
و استند في جواز قتلهم مقتلة عامّة، إلى الآية الكريمة!! و قد عرفت قصور دلالتها عن ذلك، و إنّما هو لمن تحرّش و نقض العهد.
قال الشيخ أبو جعفر الطوسيّ: عقد الأمان جائز للمشركين. لقوله تعالى: وَ إِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ. و عقد النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم الأمان للمشركين عام الحديبيّة[٤].
[١] التوبة ٩: ٦- ١٠.
[٢] المحلّى ٧: ٢٩٧.
[٣] المصدر: ٢٩٦.
[٤] المبسوط ٢: ١٤.