التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٢٩ - التجربة الثالثة
رأى إبراهيم هذا السرّ يقع بين يديه طيور فارقتها الحياة و تفرّقت أشلاؤها في أماكن متباعدة، فتدبّ فيها الحياة مرّة أخرى، و تعود إليه سعيا![١]
*** و خالفهم أبو مسلم المفسّر الشهير، فقال: ليس في الكلام ما يدلّ على أنّه فعل ذلك، و ما كلّ أمر، يقصد به الامتثال؛ فإنّ من الخبر ما يأتي بصيغة الأمر، لا سيّما إذا أريد زيادة البيان، كما إذا سألك سائل كيف يصنع الحبر؟- مثلا- فتقول: خذ كذا و كذا و افعل به كذا و كذا، يكن حبرا! تريد أن تعلّمه كيفيّة صنعه، و لا تريد تكليفه صنع الحبر بالفعل.
قال: و في القرآن كثير من الأمر الّذي يراد به الخبر، و الكلام هاهنا مثل لإحياء الموتى[٢].
و معناه: خذ أربعة من الطير، فضمّها إليك و آنسها بك حتّى تأنس و تصير بحيث تجيب دعوتك، فإنّ الطيور من أشدّ الحيوان استعدادا لذلك. ثمّ اجعل كلّ واحد منها على مرتفع حولك، ثمّ ادعهنّ، فإنّهنّ يسرعن إليك، لا يمنعها تفرّق أمكنتها و بعدها منك. كذلك أمر ربّك إذا أراد إحياء الموتى و حشرها يوم المعاد، فإنّه يكفي أن يدعوهم للحضور لديه، دعوة تكوين: «كونوا أحياء»، فيكونون أحياء و يسرعون إليه حضورا لديه. كما كان شأن الخلق في بدء الأمر. إذ قال للسماوات و الأرض: ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ[٣].
قال محمّد عبده: هذا ما نجلّي به تفسير أبي مسلم، و قد أورده الرازي مختصرا؛ قال:
و الغرض منه ذكر مثال محسوس في عود الأرواح إلى الأجساد على سبيل السهولة، و أنكر- يعني أبا مسلم- أن يكون المراد قطع أعضائها و لحومها و ريشها و دماءها، و خلط بعضها مع بعض- كما يراه المفسّرون- و قال: إنّ إبراهيم عليه السّلام لمّا طلب أن يريه كيف يحيي الموتى؟ أراه اللّه تعالى مثالا قرّب به الأمر عليه. و المراد من قوله: فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ الإمالة و التمرين على الإجابة بسبب الأنس به. أي عوّد الطيور على الإجابة، بحيث إذا دعوتها لم تلبث أن أجابتك و أتتك بسرعة، فإذا
[١] في ظلال القرآن ١: ٤٤٢.
[٢] سيأتي عن ابن عبّاس قوله: إنّما هو مثل، و كذا عن تلميذه مجاهد.
[٣] فصّلت ٤١: ١١.