التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٤ - سورة البقرة(٢) آية ٢٣٠
صاحب هذا القبر، فو اللّه إن كان ليصدّ عن سبيل اللّه و يكذّب رسول اللّه، فقال خالد ابنه[١]: بل لعن اللّه أبا قحافة، فو اللّه ما كان يقري الضيف و لا يقاتل العدوّ، فلعن اللّه أهونهما على العشيرة فقدا.
و لمّا سمع رسول اللّه شجار ما بينهما، ألقى خطام راحلته على غاربها[٢] ثمّ قال: «إذا أنتم تناولتم المشركين فعمّوا و لا تخصّوا[٣] فيغضب ولده.
ثمّ وقف فعرضت عليه الخيل، فمرّ به فرس فقال عيينة بن حصن[٤]: إنّ من أمر هذا الفرس كيت و كيت! فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: ذرنا، فأنا أعلم بالخيل منك! فقال عيينة: و أنا أعلم بالرجال منك! فغضب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم حتّى ظهر الدم في وجهه، فقال له: فأيّ الرجال أفضل؟ قال عيينة:
رجال يكونون بنجد، يضعون سيوفهم على عواتقهم و رماحهم على كواثب خيلهم[٥]، ثمّ يضربون بها قدما قدما[٦].
فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: كذبت، بل رجال أهل اليمن أفضل، الإيمان يمانيّ و الحكمة يمانيّة، و لو لا الهجرة لكنت امرأ من أهل اليمن.
ثمّ قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: الجفاء و القسوة في الفدّادين أصحاب الوبر[٧] ثمّ جعل صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يعدّد قبائل عربيّة
[١] أي ابن أبي أحيحة و هو خالد بن سعيد بن العاص بن أميّة؛ كان من السابقين الأوّلين، قيل: كان رابعا أو خامسا، لرؤيا رآه فلمّا أصبح أتى النبيّ و أسلم على يديه. فبلغ ذلك أباه فعاتبه و منعه القوت و منع إخوته من الكلام معه. فتغيّب خالد حتّى خرج بعد ذلك إلى الحبشة، و استعمله النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم على صدقات مذحج، و استشهد يوم أجنادين سنة ١٣.
( الإصابة ١: ٤٠٦- ٤٠٧/ ٢١٦٧. و الاستيعاب بهامش الإصابة ١: ٣٩٩- ٤٠٠).
[٢] الخطام: حبل يجعل في عنق البعير و يثنى في خطمه و هو مقدّم أنفه. و الغارب: الكاهل و هو أعلى الظهر. أو ما بين السنام و العنق في البعير.
[٣] أي اذكروهم بصيغة عامّة و لا تخصّوا أحدا منهم بالذكر.
[٤] كان اسمه حذيفة فلقّب عيينة لأنّه كان أصابته شجّة فجحظت عيناه. كان من المؤلّفة و لم يصحّ له رواية و كان فيه جفاء سكّان البوادي و له ردّة و أوبة بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في جفاء عارم. و قضاياه في ذلك معروفة. الإصابة ٣: ٥٤- ٥٥/ ٦١٥١.
[٥] الكاثبة من الفرس: أعلى ظهره.
[٦] يقصد قومه أعراب نجد، يصفهم بالنجدة و الشجاعة.
[٧] الفدّادون: أصحاب المواشي و الجمال، الرحّل. لأنّهم في سياقتهم للمواشي و الأحشام تعلو أصواتهم هياجا بها، و فدّ-- الرجل: اشتدّ و غلظ صوته. و أصحاب الوبر هم: الرحّل الّذين يعيشون تحت الخيام و هي من الوبر و هو من الإبل كالصوف للغنم. و هذا كناية و تشنيع بعيينة بن حصن، حيث مفاخره بقومه أصحاب البادية.