التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٥٣٨ - سورة البقرة(٢) آية ٢٨٥
ختامه مسك
قال تعالى:
[سورة البقرة (٢): الآيات ٢٨٥ الى ٢٨٦]
آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَ الْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَ مَلائِكَتِهِ وَ كُتُبِهِ وَ رُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَ قالُوا سَمِعْنا وَ أَطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وَ إِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٢٨٥) لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَها لَها ما كَسَبَتْ وَ عَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا رَبَّنا وَ لا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا رَبَّنا وَ لا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ وَ اعْفُ عَنَّا وَ اغْفِرْ لَنا وَ ارْحَمْنا أَنْتَ مَوْلانا فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (٢٨٦)
هذا ختام السورة الكبيرة، الكبيرة بحجمها التعبيري، إذ هي أطول سور القرآن. و الكبيرة بموضوعاتها الّتي تضمّ قطاعا ضخما رحيبا من قواعد التصوّر الإيماني، و صفة الجماعة المسلمة، و منهجها، و تكاليفها، و موقفها في الأرض، و دورها في الوجود، و مزاولتها في مختلف أنحاء الحياة في الأخذ و الردّ، و التفاعل مع معطيات كلّ من الفطرة و الطبيعة و العقل و الشريعة، و هكذا مزالق خطاه، ممثّلة في تاريخ البشرية و قصصها الواقعيّ إلى آخر ما سبق تفصيله في أثناء استعراض نصوصها الطويلة.
هذا ختام السورة الكبيرة، في آيتين اثنتين، و لكنّهما تمثّلان بذاتهما تلخيصا وافيا لأعظم قطاعات السورة، يصلح ختاما لها، ختاما متناسقا مع موضوعاتها و أجوائها و أهدافها.
لقد تبدأ السورة بالتصوّر الإيماني الّذي يرسمه الإسلام: إيمانا بالغيب و إيمانا بما أنزل على الرسل جميعا، و ها هي تختم السورة بقوله: آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَ الْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَ مَلائِكَتِهِ وَ كُتُبِهِ وَ رُسُلِهِ.
هذا في حال كونهم قائلين: لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ في كونهم جميعا مرسلين من عند اللّه، حاملين رسالة اللّه إلى الناس، ليهدوهم سواء السبيل.
قال الزجّاج: ختم السورة بذكر تعظيمه و ذكر تصديق نبيّه و المؤمنين بجميع ذلك فقال: آمَنَ