التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٠٣ - سورة البقرة(٢) الآيات ٢٤٦ الى ٢٥٢
لكنّهم من ذلك الوقت جعلت البلايا تنتابهم بين حين و آخر على تتابع دام وقتا طويلا. بحيث تشأموا بوجود التابوت بين أظهرهم، فحاولوا إرجاعه إلى إسرائيل، بغية التخلّص من شؤمه لهم.
فاجتمع كلّ أقطاب الفلسطينيّين و أجمعوا أمرهم إلى إرجاع التابوت، قبل أن يميتهم جميعا[١].
و كانت مدّة بقاء التابوت في بلاد الفلسطينيّين سبعة أشهر. فدعا الفلسطينيّون الكهنة و العرّافين و استشاروهم في الأمر و كيف يرجعون التابوت؟ فأشاروا عليهم- بإلهام من اللّه- بأن يرجعوا إليهم التابوت في تبجيل و احترام، و يرافقوه بهدايا و قرابين لإله بني إسرائيل؛ قالوا: و أعطوا إله إسرائيل مجدا لعلّه يخفّف يده عنكم و عن آلهتكم و عن أرضكم، و لا تغلظوا كما غلظ المصريّون و فرعون، أ ليس على ما فعل بهم أطلقوهم فذهبوا؟![٢].
فصنعوا عجلة و جعلوا التابوت على العجلة، و إلى جنبه أمتعة الذهب، فداء لما ارتكبوه من إثم.
و أخذوا بقرتين مرضعتين و ربطوهما إلى العجلة، و حبسوا ولديهما عندهم. و أرسلوهما في طريق «بيت شمس» فجعلتا تسيران في سكّة واحدة و تجأران من غير أن تميلا يمينا و شمالا، و أقطاب الفلسطينيّين يسيرون وراءهما، حتّى نهاية المسير.
فأتت العجلة إلى حقل «يهوشع» و وقفت هناك. فجاء أهل البلد و أخذوا الصندوق الّذي فيه أمتعة الذهب، و أصعدوا محرقات و ذبحوا ذبائح في ذلك اليوم. و لمّا رأى أقطاب الفلسطينيّين ذلك، رجعوا من يومهم.
قلت: كلّ ذلك ليدلّ على أنّ عود التابوت إلى إسرائيل لم يكن عن تدبير منهم و لا من غيرهم، و إنّما هو صنيع الملائكة (القوى النافذة لتمشية إرادة اللّه في هذا الكون) إذ قذف في قلوبهم (الفلسطينيّين) الرعب و ألجأهم إلى عودة التابوت، عودة رغم أنفهم و في احتفال و حفاوة و مهرجان.
و هذا معنى قوله تعالى: إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ آية ملك طالوت و أنّه من فضله تعالى و اصطفائه بالذات أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ من غير أن يكون لكم يد في عودته فِيهِ سَكِينَةٌ ما يسكن إليه قلوبكم
[١] الأصحاح الخامس من سفر صموئيل الأوّل: ١١- ١٢.
[٢] الأصحاح السادس: ٦- ٧.