التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٠٢ - سورة البقرة(٢) الآيات ٢٤٦ الى ٢٥٢
لا يزال يتعامل مع ذوي العقول من الأمّة في تبادل أفكارهم سعيا وراء رضى القوم و التشاور معهم في مهامّ الأمور.
و قوّاد بني إسرائيل و كبراؤهم لم يتفطّنوا لهذه الحكمة، لقصر أنظارهم، و إنّما نظروا إلى قلّة جدته، فتوهّموا ذلك مانعا من تمليكه عليهم، و لم يعلموا أنّ الاعتبار بالخلال النفسانيّة و أنّ الغنى غنى النفس لا وفرة المال، و ما ذا تجدي و فرة المال إذا لم ينفقه في مصالح الخير. قال أبو الطيّب:
|
الرأي قبل شجاعة الشّجعان |
هو أوّل و هي المحلّ الثاني[١] |
|
قوله تعالى: وَ قالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ جاء في الأصحاح الرابع من سفر صموئيل الأوّل: أنّه لمّا انكسرت إسرائيل أمام الفلسطينيّين، اجتمع شيوخ إسرائيل ليعرفوا السبب في انكسارهم، فكانوا ممّا عزموا عليه أن يصطحبوا التابوت في حروبهم، و في ذلك يكون الظفر معهم ببركة التابوت.
و هذا التابوت- و يقال له: تابوت العهد- صندوق خشبي في طول ثلاثة أقدام و عرض قدمين و ارتفاع كذلك. كانوا- منذ عهد موسى عليه السّلام- قد أودعوا فيه آثار موسى و هارون و لوحين مكتوبا عليهما الأحكام العشرة، كانوا يتبرّكون به، و يقدّموه أمام رحلاتهم و كذا في حروبهم، استنصارا به.
و كان مقرّ هذا التابوت ذلك العهد مدينة «شيلوه»[٢] فأرسلوا من يأتي به، فأتوا به في مصاحبة ابني عالي- من أحفاد هارون- هما: حفني و فينحاس. فاحتفلوا به و ضجّت إسرائيل ضجّة واحدة فرحا بنصر متوقّع، لكنّ القدر عاكسهم، و شدّ عليهم الفلسطينيّون شدّة عزم واحد، فكسروهم كسرة فاضحة، و سقط من إسرائيل في ذلك اليوم ثلاثون ألف راجل، و أخذ التابوت و هلك ابنا عالي: حفني و فينحاس.
فأخذ الفلسطينيون التابوت و أتوا به إلى مدينتهم «أشدود» و أدخلوه إلى «بيت داجون» و أقاموه بالقرب منه.
[١] التحرير و التنوير ٢: ٤٦٧- ٤٦٨.
[٢] في شماليّ بيت إيل.