التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٥٤١ - سورة البقرة(٢) آية ٢٨٦
قال العلّامة الطباطبائي: ليس المراد بالتحميل هنا، التكليف بما لا يطاق، إذ لا تكليف ذاتا بما لا يطاق، حيث قوله تعالى: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها، فإذن فلا تكليف بغير المستطاع، حتّى يطلب الإعفاء عنه.
بل المراد: جزاء السيّئات جزاء يحرجهم إحراجا شديدا فوق طاقتهم، إذ قد يعاقب المؤمن على بعض تفريطاته و لغرض تطهيره، ببلاء يمكن تحمّله عادة، كالأمراض و الأضرار و بعض الخسائر الماليّة أو النفسيّة، فهذا ممّا يمكن إطاقته.
أمّا المعاقبة بنزول عذاب صارم أو رجز قائم، كما في الأمم السابقة، فهذا ممّا لا يمكن إطاقته و ربّما كانت مبيدة و مهلكة إلى حدّ بعيد.
فأمثال هذه العقوبات المحرجة نهائيّا، ممّا يطلب الإعفاء عنه. و في الأحاديث: إعفاء هذه الأمّة من أمثال تلك العقوبات المبيدة[١].
*** وَ اعْفُ عَنَّا وَ اغْفِرْ لَنا وَ ارْحَمْنا أَنْتَ مَوْلانا فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ.
العفو: محو السيّئة. و الغفران: سترها. و يدخلان جميعا تحت رحمته تعالى الواسعة.
قوله: أَنْتَ مَوْلانا تعليل لطيف لاستجابة طلب الرحمة، حيث لا يرحم العبد إلّا مولاه الكريم.
و من ثمّ نشط الداعي في دعائه، فطلب النصرة حيث أعوزته الحجّة، لو لا أن يمدّه تعالى بالفوز في حجّته على من ناوأه من أهل الكفر و العناد، ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَ أَنَّ الْكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ[٢]، اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ[٣] بغلبة حجّتهم أبدا. و هذا وعد من اللّه حتم: إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَ الَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ يَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ[٤] وَ إِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ[٥]. و صدق اللّه العليّ العظيم.
[١] الميزان ٢: ٤٧٥، بتوضيح و تفصيل.
[٢] محمّد ٤٧: ١١.
[٣] البقرة ٢: ٢٥٧.
[٤] غافر ٤٠: ٥١.
[٥] الصافات ٣٧: ١٧٣.