التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٥٤٢ - سورة البقرة(٢) آية ٢٨٦
و بعد، فهذا دعاء يصوّر حال المؤمنين مع ربّهم، و إدراكهم لضعفهم و عجزهم و حاجتهم إلى رحمته و عفوه و غفرانه، و افتقارهم لمدده و عونه، و اعتمادهم إلى ركنه، و التجاءهم إلى كنفه.
و تجرّدهم من كلّ من عداه، و استمدادهم النصر منه في غلبة حجّتهم على من نبذوا الحقّ و كفروا بأنعم اللّه.
كلّ هذه التعابير جاءت في صياغة نغمة وادعة واجفة، تصوّر بإيقاتها و جيب القلب و رفرفة الروح.
نعم، خِتامُهُ مِسْكٌ وَ فِي ذلِكَ فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ[١].
قوله تعالى: لَها ما كَسَبَتْ وَ عَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ أي لها نفع ما كسبته من عمل خير. و عليها ضرّ ما اكتسبته من شرّ.
و أضيف الاكتساب إلى الشرّ لبيان أنّ النفس مجبولة على حبّ الخير و كراهة الشرّ، فعمل الخير أطوع لها و أيسر، و إنّما تفعل الشرّ بالتكلّف و مزيد عناء، إذ الميل إلى الخير ممّا أودع في طبع الإنسان، و لا يحتاج إلى كثير مشقّة في فعله، بل يجد لذّة في عمله.
و أمّا الشرّ فإنّه يعرض للنفس لأسباب ليست من طبيعتها و لا هي مقتضى فطرتها، و من غير أن يخفى عليها- حين الارتكاب- قبحها و أنّها ممقوتة في نظر الناس، و أنّها مهينة في قرارة نفوسهم.
فكان يعملها في كفاح مع قرارة نفسه و مع مقت الآخرين، و من ثمّ كان صعبا عليه و بحاجة إلى تعمّل و ارتكاب مشاقّ.
و إلى هذا المعنى أشار سيبويه بقوله: «كسب: أصاب، و اكتسب: تصرّف و اجتهد»[٢].
قوله: «أصاب» مطلق، سواء أصابه بسهولة و يسر، أم بصعوبة و عناء. أمّا الاكتساب فهي الإصابة بجهد و عناء.
[١] المطفّفين ٨٣: ٢٦.
[٢] لسان العرب ١: ٧١٦( كسب).