التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٧٩ - سورة البقرة(٢) آية ٢٤٣
فرارا منك. فأمهلهم اللّه حتّى خرجوا من ديارهم و هي قرية تسمّى دامردان فلمّا خرجوا قال اللّه لهم: مُوتُوا عبرة لهم! فماتوا جميعا و ماتت دوابّهم كموت رجل واحد ثمانية أيّام، فخرج إليهم الناس فعجزوا عن دفنهم حتّى حظروا عليهم و أروحت أجسادهم. ثُمَ إنّ اللّه أَحْياهُمْ بعد ثمانية أيّام و بهنّ نتن شديد. ثمّ إنّ حزقيل بكى إلى ربّه فقال: اللّهمّ ربّ إبراهيم و إله موسى لا تكن على عبادك الظلمة كأنفسهم! و اذكر فيهم ميثاق الأوّلين فسمع اللّه فأمره أن يدعوهم بكلمة واحدة فقاموا كقيام رجل واحد كان و سنانا[١] فاستيقظ فذلك قوله- عزّ و جلّ-: إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَ لكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ ربّ هذه النعمة حين أحياهم بعد ما أراهم عقوبته ثمّ أمرهم أن يرجعوا إلى عدوّهم فيجاهدوا فذلك قوله: مُوتُوا ثُمَّ أَحْياهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ أنّه أحياهم بعد ما أماتهم وَ لكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ[٢].
*** قلت: تلك أهازيج القوم حيكت على غير منوال! الأمر الّذي جعل بعضهم يراه مثلا ضربه اللّه إيقاظا للناس كسائر الأمثال المضروبة في القرآن.
[٢/ ٧٢٦١] أخرج ابن أبي حاتم بالإسناد إلى ابن جريج، قال: سألت عطاء عن هذه الآية؟ قال:
مثل[٣].
و لعلّ يدا إسرائيليّة عملت في حياكة ذلك النسيج المتخبّط:
[٢/ ٧٢٦٢] كما أخرج ابن جرير عن أشعث بن أسلم البصري قال: بينا عمر يصلّي و يهوديّان خلفه! و كان عمر إذا أراد أن يركع خوّى[٤] فقال أحدهما لصاحبه: أ هو هو؟ فلمّا انفتل عمر قال:
رأيت قول أحدكما لصاحبه: أ هو هو! قالا: إنّا نجده في كتابنا قرنا من حديد يعطى ما يعطى حزقيل الّذي أحيا الموتى بإذن اللّه! فقال عمر: ما نجد في كتاب اللّه حزقيل و لا أحيا الموتى بإذن اللّه إلّا عيسى! قالا: أ ما تجد في كتاب اللّه: وَ رُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ[٥]؟ فقال عمر: بلى. قالا: و أمّا إحياء
[١] الوسنان: المغشي عليه من نتن البئر و نحوه.
[٢] تفسير مقاتل ١: ٢٠٢- ٢٠٣.
[٣] ابن أبي حاتم ٢: ٤٥٥/ ٢٤١١؛ ابن كثير ١: ٣٠٥.
[٤] أي جافا بطنه عن الأرض و رفعها.
[٥] النساء ٤: ١٦٤.