التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٧٤ - سورة البقرة(٢) الآيات ٢٣٤ الى ٢٣٧
و طهارة الضمير وَ لكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفاً لا نكر فيه و لا فحش، و لا مخالفة لحدود ما أنزل اللّه، و الّتي بيّنها في هذا الموقف الدقيق.
وَ لا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتابُ ما فرض عليهنّ من العدّة أَجَلَهُ أي تنقضي العدّة.
قوله: وَ لا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ- و لم يقل: «و لا تعقدوا النكاح»- زيادة في التحرّج. فالعزيمة الّتي تنشئ العقدة هي المنهيّ عنها، نظير: تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوها مبالغة في التحرّز عنها. الأمر الّذي يوحي بمعنى في غاية اللّطف و الدقّة.
وَ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ. و هنا يربط بين التشريع و الوازع النفسي الباعث على الخشية من اللّه المطّلع على السرائر، فللهواجس المستكنّة و للمشاعر المكنونة هنا- و في غيرها من مزالّ- الأقدام- قيمتها في العلاقات بين رجل و امرأة، بل بين آحاد الناس على سواء.
و مع ذلك وَ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ غفور يغفر خطيئة القلب الشاعر باللّه، الحذر من عقوبته.
حليم لا يعجل بالعقوبة، فلعلّ عبده الخاطئ آب و رجع عمّا فرّط في جنب اللّه.
*** ثمّ يجيء حكم المطلّقة قبل الدخول: لا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً فالواجب على الزوج في هذه الحالة أن يمتّعها أي يمنحها عطيّة حسبما يستطيع:
وَ مَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَ عَلَى الْمُقْتِرِ- أي المعوز- قدره، مَتاعاً بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ ممّن يحاول الإحسان في حياته.
نعم و لهذا العمل قيمته النفسيّة بجانب كونه نوعا من التعويض؛ إنّ انفصام هذه العقدة من قبل ابتدائها قد ينشئ جفوة ممضّة في نفس المرأة، و يجعل الفراق طعنة عداء و خصومة. و لكنّ التمتيع يذهب بهذا الجوّ المكفهرّ، و ينسم فيه نسمات من الودّ و المعذرة، و لهذا يوصي أن يكون المتاع بالمعروف، استبقاء للمودّة الإنسانيّة، و افتراقا بسلام.
أمّا إذا كان الطلاق قبل المساس، بعد أن فرضتم لهنّ فريضة، فنصف ما فرضتم. هذا هو القانون. و لكنّ القرآن يدع الأمر بعد ذلك للسماحة و الفضل و اليسر، فللزوجة أو وليّها إن كانت صغيرة أن تعفو و تترك ما يفرضه القانون، و التنازل في هذه الحالة هو تنازل الإنسان الراضي القادر العفوّ السمح، فيا للقرآن يظلّ يلاحق هذه القلوب كي تصفو و ترفّ و تخلو من كلّ شائبة: وَ أَنْ تَعْفُوا