التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٧٣ - سورة البقرة(٢) الآيات ٢٣٤ الى ٢٣٧
حياة شريفة، و حياة عائليّة مطمئنّة[١].
جعل عدّتها أربعة أشهر و عشرا- ما لم تكن حاملا فعدّتها أن تضع حملها- و لا تجرح أهل الزوج في عواطفهم بخروجها لتوها. و في أثناء هذه العدّة تلبس ثيابا محتشمة و لا تتزيّن للخطّاب.
فأمّا بعد هذه العدّة فلا سبيل لأحد عليها، سواء من أهلها أو من أهل الزوج، و لها مطلق حرّيّتها فيما تتّخذه لنفسها من سلوك شريف في حدود «المعروف». فلها أن تأخذ زينتها المباحة، و لها أن تتلقّى خطبة الخطّاب، و تتزوّج ممّن ترتضي، لا تقف في سبيلها عادة بالية و لا كبرياء زائفة. و ليس عليها من رقيب إلّا اللّه وَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ.
هذا شأن المرأة؛ ثمّ يلتفت السياق إلى الرجال الراغبين فيها في فترة العدّة، فيوجّههم توجيها قائما على أدب النفس و أدب الاجتماع، و رعاية المشاعر و العواطف، مع رعاية الحاجات و المصالح: وَ لا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّساءِ.
نعم كانت المرأة لا تزال معلّقة القلب بذكرى لم تمت، و بمشاعر أسرة الميّت، و مرتبطة كذلك بما قد يكون في رحمها حمل لم يتبيّن، أو حمل تبيّن و العدّة معلّقة بوضعه، و كلّ هذه الاعتبارات تمنع الحديث عن حياة زوجيّة جديدة، حيث لم يحن موعده و لأنّه يحرج مشاعر و يخدش ذكريات.
إذن فمع رعاية هذه الاعتبارات فقد أبيح التعريض- لا التصريح- بخطبتهنّ؛ أبيحت الإشارة البعيدة الّتي تلمح منها المرأة أنّ هذا الرجل يريدها زوجة بعد انقضاء عدّتها.
[٢/ ٦٨٤٤] و قد روي عن ابن عبّاس: أنّ التعريض مثل أن يقول: إنّي أريد التزويج. و إنّ النساء لمن حاجتي. و لوددت أنّه تيسّر لي امرأة صالحة[٢].
كذلك أبيحت الرغبة المكنونة أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ الّتي لا يصرّح بها لا تصريحا و لا تلميحا؛ لأنّ اللّه يعلم أنّ هذه الرغبة لا سلطان لإرادة البشر عليها عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ.
و قد أباحها اللّه، لأنّها تتعلّق بميل فطري، حلال في أصله، مباح في ذاته، و الملابسات وحدها هي الّتي تدعو إلى تأجيل اتّخاذ الخطوة العمليّة فيه، و الإسلام يلحظ أن لا يحطّم الميول الفطرية إنّما يهذّبها، و لا يكبت النوازع البشريّة إنّما يضبطها. و من ثمّ نهى فقط عمّا يخالف نظافة الشعور
[١] راجع: في ظلال القرآن ١: ٣٧٣.
[٢] البخاري ٦: ١٣١.