التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٥٤٦ - الفطرة مجبولة على الخير، و الشر عارض
مثوبتها المضاعفة، و أمّا السيّئة فحيث كانت تقابل بالجزاء بمثلها فكانت خطيرة الحصول و بحاجة إلى اعتمال و مزيد عناء.
و ذكر أبو القاسم الحسين بن محمّد (الراغب الأصبهاني ت: ٥٠٢) في المفردات:
و قوله: لَها ما كَسَبَتْ وَ عَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ فقد قيل: خصّ الكسب هاهنا بالصالح، و الاكتساب بالسيّئ، و قيل عني بالكسب ما يتحرّاه من المكاسب الأخرويّة، و بالاكتساب ما يتحرّاه من المكاسب الدنيويّة، و قيل عني بالكسب ما يفعله الإنسان من فعل خير و جلب نفع إلى غيره من حيثما يجوز و بالاكتساب ما يحصّله لنفسه من نفع يجوز تناوله، فنبّه على أنّ ما يفعله الإنسان لغيره من نفع يوصّله إليه فله الثواب و أنّ ما يحصّله لنفسه و إن كان متناولا من حيثما يجوز على الوجه فقلّما ينفكّ من أن يكون عليه، إشارة إلى ما قيل: «من أراد الدنيا فليوطّن نفسه على المصائب»[١].
و قال جار اللّه الزمخشري (ت: ٥٢٨): في الاكتساب اعتمال، فلمّا كان الشرّ ممّا تشتهيه النفس و هي منجذبة إليه و أمّارة به، كانت في تحصيله أعمل و أجدّ، فجعلت لذلك مكتسبة فيه، و لمّا لم تكن كذلك في باب الخير، وصفت بما لا دلالة فيه على الاعتمال[٢].
و للمتأخّرين رأي أسدّ في تأويل الآية، قالوا: إنّ هذا الافتراق يعود إلى طبيعة كلّ من الخير و الشرّ، و موضعهما من فطرة الإنسان المجبولة على حبّ الخير و كراهة الشرّ، و من ثمّ كان في تحصيل الخير أميل و في السعي وراء كسبه أرغب و أنشط، فلا يثقل عليه ما يبذله من الوسع في طريق الوصول إليه.
أمّا الشرّ، فحيث كان مستكرها و مرفوضا ذاتا، كان السعي وراء كسبه أشقّ و أثقل، لأنّها حركة في اتّجاه ينافر الفطرة و تمجّه النفس في قرارة ذاته.
الفطرة مجبولة على الخير، و الشرّ عارض
اختلف أهل النظر في أنّ الإنسان هل هو خيّر بالطبع أم شرّير بالطبع، و إلى أيّ الأمرين يكون أميل بفطرته، مع صرف النظر عمّا يتّفق له في تربيته؟
[١] المفردات: ٤٣١.
[٢] الكشّاف ١: ٣٣٢.