التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٥٣٩ - سورة البقرة(٢) آية ٢٨٥
الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَ الْمُؤْمِنُونَ أي صدّق الرسول بجميع هذه الأشياء الّتي جرى ذكرها، و كذلك المؤمنون.
قال: و معنى: لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ أي لا نفعل كما فعل أهل الكتاب قبلنا، الّذين آمنوا ببعض الرسل و كفروا ببعض[١].
و قد تقدّم الكلام على نظيره عند قوله تعالى: لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَ نَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ[٢].
قوله: وَ مَلائِكَتِهِ.
و الإيمان بملائكة اللّه طرف من الإيمان بالغيب[٣]، الّذي تحدّثنا عن قيمته في حياة الإنسان، و يخرج به من نطاق الحواسّ المضروب على الحيوان، و يطلقه يتلقّى المعرفة ممّا وراء هذا النطاق الحيواني، كما يجعله يستهدف الانطلاق إلى تلك الحياة الخالدة الّتي تخرق هذا النطاق المحدود، وَ إِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ[٤].
وَ قالُوا سَمِعْنا وَ أَطَعْنا .... و السمع كناية عن الرضا و القبول لكلّ ما جاءهم من عند اللّه.
و الطاعة: الامتثال لكلّ ما أمرهم اللّه به، من غير تبعيض و لا تفريق. نعم، الإيمان الصادق: ما وقر في القلب و صدّقه العمل. كما و أنّ مع السمع و الطاعة قد يأتي الشعور بالتقصير و العجز عن توفية آلاء اللّه حقّ شكرها، و فرائض اللّه حقّ أدائها.
فحان وقت الالتجاء إلى رحمة اللّه، لتتدارك تقصيرهم و عجزهم، بسماحته تعالى: غُفْرانَكَ رَبَّنا.
و الكلمة الحاسمة لمنتهى الإيمان باللّه و الشعور بالتقصير لديه، هو الاعتراف بأنّا للّه و أنّا إليه راجعون، و أنّه تعالى هو المالك لأزمّة الأمور، يوم الدين: وَ إِلَيْكَ الْمَصِيرُ، ربّنا، إليك الرجعى و إليك المنتهى، فلا ملجأ إلّا إليك و لا مطمع إلّا فيك، و أنت أنت الغفور الرحيم.
نعم، إنّها الوحدة الكبرى، طابع العقيدة الإسلاميّة الفضلى ترسمها هذه الآية القصيرة: الإيمان باللّه و ملائكته و الإيمان بجميع كتبه و رسله، بلا تفريق بين الرسل، و السمع و الطاعة، و الإنابة إلى اللّه
[١] معاني القرآن و إعرابه للزجّاج: ١: ٣٦٨- ٣٦٩.
[٢] البقرة ٢: ١٣٦.
[٣] في مطلع السورة.
[٤] العنكبوت ٢٩: ٦٤.