التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٥٢٥ - هل يحاسب العباد على النيات؟
هل يحاسب العباد على النيّات؟
هناك فرق بين المحاسبة و المؤاخذة، حيث محاسبة الشيء تقييمه و اعتباره على موازين العقل و الحكمة الرشيدة، أمّا المؤاخذة فهي المسائلة على موافاة العهد لغرض المجازاة عليها، إن خيرا فخير و إن شرّا فشرّ.
و من ثمّ فالمحاسبة على النيّات أمر معقول، و لا سيّما في ذلك اليوم الّذي تبلى فيه السرائر، فيحاسب الناس على نيّاتهم، إن طيّبا فمع الطيّبين و إن خبيثا فمع الخبيثين. و ليست الأعمال بذواتها معيارا لمعرفة الشخص، لو لا كشفها عن شاكلة نفسه.
و بذلك يعرف معنى قوله تعالى: وَ إِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَ يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ، إن أريد منها المحاسبة على النيّات محضا، دون المؤاخذة لموافاة الثواب أو العقاب، الأمر الّذي لا يتنافى مع ما ورد من أنّ المؤاخذة على الأعمال إنّما هي بحسب النيّات أي ليست المؤاخذة على نفس العمل بالنظر إلى كمّيّته، و لكن بالنظر إلى كيفيّته الّتي تتحدّد حسب النيّات. فالمؤاخذة إنّما هي على العمل، أمّا النيّة فهي المحدّدة لأبعاد العمل و الجزاء على هذه الأبعاد.
[٢/ ٨٢٢٣] أخرج ابن جرير من طريق الضحّاك عن ابن عبّاس في الآية قال: إنّ اللّه يقول يوم القيامة: إنّ كتّابي لم يكتبوا من أعمالكم إلّا ما ظهر منها، فأمّا ما أسررتم في أنفسكم، فأنا أحاسبكم به اليوم، فأغفر لمن شئت و أعذّب لمن شئت![١]
[٢/ ٨٢٢٤] و أخرج ابن جرير عن الضحّاك قوله: وَ إِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ قال: كان ابن عبّاس يقول: إذا دعي الناس للحساب، أخبرهم اللّه بما كانوا يسرّون في أنفسهم ممّا لم يعملوه، فيقول: إنّه كان لا يعزب عنّي شيء، و إنّي مخبركم بما كنتم تسرّون من السوء، و لم تكن حفظتكم عليكم مطّلعين عليه. قال: فهذه المحاسبة[٢].
[٢/ ٨٢٢٥] و فيما رواه الصدوق من وصيّة الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام لابنه محمّد بن الحنفيّة:
[١] الدرّ ٢: ١٣٠- ١٣١؛ الطبري ٣: ٢٠٠/ ٥٠٨٥؛ الثعلبي ٢: ٣٠٠؛ القرطبي ٣: ٤٢٢.
[٢] الطبري ٣: ٢٠٠/ ٥٠٨٧.