التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٨٠ - هل للجن أن يمس الإنسان في ذات نفسه؟
المرابين من خروج حركاتهم عن النظام المألوف، هو أثر اضطراب في نفوسهم و تغيّر أخلاقهم، كان لا بدّ أن يبعثوا عليه، فإنّ المرء يبعث على ما مات عليه، لأنّه يموت على ما عاش عليه. و هناك تبدو صفات النفس الخسيسة في أقبح مظاهرها، كما تتجلّى صفات النفس الزكيّة في أبهى مجاليها[١]. الأمر الّذي عبّروا عنه بتجسّم الأعمال و الصفات.
هل للجنّ أن يمسّ الإنسان في ذات نفسه؟
تلك كانت مزعومة العرب: أنّ المصروع الّذي يعبّر عنه بالممسوس، إنّما يتخبّطه الشيطان، أي إنّه يصرع بمسّ الشيطان له. و قد كان معروفا عند العرب و جاريا في كلامهم مجرى المثل. كما تقدّم في قول الأعشى، يصف ناقته في نشاطها الهائج[٢].
قال البيضاوي في التشبيه الوارد في الآية: «و هو وارد على ما يزعمون أنّ الشيطان يخبط الإنسان فيصرع، و الخبط: ضرب على غير اتّساق، كخبط العشواء. قال: و قوله: مِنَ الْمَسِ أي الجنون. و هذا أيضا من زعماتهم أنّ الجنّيّ يمسّه فيختلط عقله، و لذلك قيل: جنّ الرجل»[٣].
و بعد فهل كان كلامه تعالى- هنا- مجاراة مع العرب و توافقا معهم فيما زعموه؟
لكنّا نبّهنا- مسبقا عند الكلام عن الشبهات حول القرآن و ردودها[٤]- أنّ مثل هذا التعبير مجاراة في الاستعمال محضا، و أنّ المراد من المساس في الآية هو مسّ وساوسه الخبيثة المغرية، الّتي هي عبارة عن استحواذه على عقليّة أهل المطامع، ليتيه بهم الدرب و يجعلهم في السعي وراء مطامعهم يتخبّطون خبط عشواء، و في غياهب من تيه الضلال. و هذا يعني: استيلاء الشيطان على مشاعرهم، فعموا و صمّوا كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرانَ.[٥] اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ فَأَنْساهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولئِكَ حِزْبُ الشَّيْطانِ أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطانِ هُمُ الْخاسِرُونَ[٦].
يقول تعالى- بشأن من حاول اقتراف خطيئة عفوا و ليس من دأبه، بل من وساوس شيطانيّة خبيثة طارئة، فيتذكّر و يئوب إلى رشده-: إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ
[١] المنار ٣: ٩٤- ٩٥.
[٢] تقدّم عند نقل كلام ابن عطيّة.
[٣] البيضاوي ١: ٢٦٧.
[٤] التمهيد ٧: ٢١١- ٢١٢.
[٥] الأنعام ٦: ٧١.
[٦] المجادلة ٥٨: ١٩.