التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٧٩ - تخبط المرائي في هذه النشأة قبل النشأة الأخرى
قال: و يقوّي هذا التأويل المجمع عليه، أنّ في قراءة عبد اللّه بن مسعود: «لا يقومون» يوم القيامة «إلّا كما يقوم ...».
قال: و أمّا ألفاظ الآية فكانت تحتمل تشبيه حال القائم بحرص و جشع إلى تجارة الربا، بقيام المجنون [يدوخ في تصرّفاته]؛ لأنّ الطمع و الحرص الشديد يستفزّه[١] حتّى تضطرب أعضاؤه.
و هذا كما تقول لمسرع في مشيه، مخلّط في هيئة حركاته، إمّا من فزع أو نحوه: قد جنّ. و قد شبّه الأعشى ناقته في نشاطها، بالجنون؛ قال:
|
و تصبح من غبّ السّرى و كأنّما |
ألمّ بها من طائف الجنّ أولق[٢] |
|
قال: لكن ما جاءت به قراءة ابن مسعود و تظاهرت به أقوال المفسّرين يضعّف هذا التأويل[٣].
قال الشيخ محمّد عبده: ما قاله ابن عطيّة أوّلا حسب الاستظهار من اللفظ، هو المتبادر إلى جميع الأفهام. و أمّا ما ذهب إليه الجمهور فمستنده روايات ضعاف، و لولاها لما قال أحد بغير المتبادر الّذي استظهره ابن عطيّة من ألفاظ الآية.
قال: و لقد كان الوضّاعون يختلقون الروايات، يتحرّون في بعضها ما أشكل عليهم ظاهره من القرآن، فيضعون له رواية يفسّرونه بها، و قلّما يصحّ في التفسير شيء، كما قال الإمام أحمد.
قال: و أمّا ما استظهره ابن عطيّة فهو الظاهر في نفسه، فإنّ أولئك الّذين فتنهم المال و استعبدهم حتّى ضريت[٤] نفوسهم بجمعه و جعلوه مقصودا لذاته و تركوا- لأجل الكسب به- جميع موارد الكسب الطبيعي، إنّ أولئك تخرج نفوسهم عن حدّ الاعتدال الّذي عليه أكثر الناس، و يظهر ذلك في حركاتهم و تقلّبهم في أعمالهم، كما تراه في حركات المولعين بأعمال البورصة و المغرمين بالقمار، يزيد فيهم النشاط [الهائج] و الانهماك في أعمالهم، حتّى تكون خفّة تعقّبها حركات غير منتظمة.
قال: و هذا هو وجه الشبه بين حركاتهم و بين تخبّط الممسوس؛ حيث يضطرب و يخبط خبط عشواء.
قال: و بهذا يمكن الجمع بين هذا المعنى و ما قاله الجمهور؛ ذلك بأنّه إذا كان ما شنّع به على
[١] استفزّه: استخفّه و استدعاه، جعله يضطرب. أزعجه، أخرجه عن حدّ الاعتدال.
[٢] الأولق: الجنون أو مسّ منه. و الطائف: الطارق ليلا و في ظلام. أي مسّه طائف الجنّ.
[٣] المحرّر الوجيز ١: ٣٧٢.
[٤] أي أولعت نفوسهم بذلك.