التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٧٢ - سورة البقرة(٢) آية ٢٦٤
يبطلها. فضرب اللّه- عزّ و جلّ- مثل لذلك: كَالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النَّاسِ وَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ يقول: و لا يصدّق بأنّه واحد لا شريك له وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ يقول: و لا يصدّق بالبعث الّذي فيه جزاء الأعمال، أنّه كائن. فمثله يعني مثل الّذي يمنّ بصدقته كمثل مشرك أنفق ماله في غير إيمان، فأبطل شركه الصدقة، ما أبطل المنّ و الأذى صدقة المؤمن. ثمّ أخبر عمّن منّ بها على صاحبه فلم يعط عليها أجرا و لا ثوابا، ثمّ ضرب اللّه- عزّ و جلّ- لهما مثلا فقال في مثله: فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوانٍ يعني الصفا عَلَيْهِ تُرابٌ فَأَصابَهُ وابِلٌ يعني المطر الشديد فَتَرَكَهُ صَلْداً يقول: ترك المطر الصفا صلدا نقيّا أجرد ليس عليه تراب، فكذلك المشرك الّذي ينفق في غير إيمان، و ينفق رئاء الناس، و كذلك صدقة المؤمن إذا منّ بها. و ذلك قوله- سبحانه-: لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا يقول: لا يقدرون على ثواب شيء ممّا أنفقوا يوم القيامة، و ذلك قوله- عزّ و جلّ-: مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلى ثواب شَيْءٍ[١] يوم القيامة كما لم يبق على الصفا شيء من التراب حين أصابه المطر الشديد وَ اللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ[٢].
و عليه، فيكون مثل إنفاق المرائي مثل ذلك الغشاء الرقيق من الغبار يعلو حجرا أملس لفترة جدّ قصيرة، و يزول من فوره على أثر هبوب ريح عاصفة أو هطول مطر غزير. وَ قَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً[٣].
قوله تعالى: لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا أي لا يستحصلون من آثار أعمالهم الحسنة- في ظاهرها- شيئا يعود عليهم بمنافع. إذ لا حصاد إذا كان الزارع قد أفسد زرعه. و كذلك المرائي قد أحبط عمله.
نعم من كان رائده الشيطان فإنّه سيهديهم إلى سراب يحسبه الظمآن ماء.
وَ اللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ، و هذا قد كفر بأنعم للّه و أعرض عن ذكره و من ثمّ خذله اللّه و تركه و نفسه، فكان طعمة للطاغوت اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ[٤].
[١] إبراهيم ١٤: ١٨.
[٢] تفسير مقاتل ١: ٢٢٠- ٢٢١.
[٣] الفرقان ٢٥: ٢٣.
[٤] البقرة ٢: ٢٥٧.