التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٨١ - المعاهدة مع الكفار
قال: أ فهل كان السيف يعمل عمله في إكراه الناس على الإسلام في مكّة، أيّام كان النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يصلّي مستخفيا، و أيّام كان المشركون يفتنون المسلم بأنواع من العذاب، و لا يجدون رادعا، حتّى اضطرّ النبيّ و أصحابه إلى الهجرة؟ أم يقولون: إنّ ذلك الإكراه وقع في المدينة، بعد أن اعتزّ الإسلام، و هذه الآية قد نزلت في غرّة هذا الاعتزاز؛ فإنّ غزوة بني النضير كانت في ربيع الأوّل من السنة الرابعة.
و قال البخاري: إنّها كانت قبل غزوة أحد، الّتي لا خلاف في أنّها كانت في شوّال سنة ثلاث، و كان كفّار مكّة لا يزالون يقصدون المسلمين بالحرب، نقض بنو النضير عهد النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فكادوا له و همّوا باغتياله مرّتين، و هم بجواره في ضواحي المدينة، فلم يكن له بدّ من إجلائهم عن المدينة، فحاصرهم حتّى أجلاهم، فخرجوا مغلوبين على أمرهم، و لم يأذن لمن استأذنه من أصحابه بإكراه أولادهم المتهوّدين على الإسلام و منعهم من الخروج مع اليهود. فذلك أوّل يوم خطر فيه على بال بعض المسلمين الإكراه على الإسلام. و هو اليوم الّذي نزل فيه: لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ[١].
المعاهدة مع الكفّار
شاع القول بأنّ غير الكتابي من سائر الكفّار، يجب قتالهم حتّى يسلموا، و لا تقبل منهم ذمّة، قالوا: و تجب البدأة بقتالهم و لا أقلّ في كلّ عام مرّة. سواء تحرّشوا للمسلمين أم لم يتحرّشوا.
قال ابن حزم: لقوله تعالى: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَ خُذُوهُمْ وَ احْصُرُوهُمْ وَ اقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تابُوا وَ أَقامُوا الصَّلاةَ وَ آتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ.[٢] فعمّ- عزّ و جلّ- كلّ مشرك بالقتل إلّا أن يسلموا ...[٣].
و قال المحقّق- صاحب الشرائع-: «من يجب جهاده ثلاثة أصناف: البغاة حتّى يرجعوا. و أهل الذمّة- و هم أهل الكتاب: اليهود و النصارى و المجوس- إذا أخلّوا بشرائط الذمّة. و من عدا هؤلاء من أصناف الكفّار، حتّى يكفّوا- إن كانوا تعرّضوا للفساد في الأرض- أو يسلموا»[٤].
و عدّه صاحب الجواهر من القطعيّات. قال: «لا إشكال في أصل الحكم، بعد الأمر به و الحثّ
[١] المنار ٣: ٣٦- ٣٧.
[٢] التوبة ٩: ٥.
[٣] المحلّى ٧: ٢٩٦- ٢٩٧ م: ٩٢٨.
[٤] كتاب الشرائع ١: ٣١٠. بتصرّف.