التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٠٤ - سورة البقرة(٢) الآيات ٢٤٦ الى ٢٥٢
و تطمئنّ بعنايته تعالى وَ بَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسى وَ آلُ هارُونَ آثارهما المتبرّك بها تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ القدرة الإلهيّة الكامنة إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ بمواضع قدرته تعالى و عنايته بعباده المؤمنين.
و بذلك أراد صموئيل أن يتحدّاهم بمعجزة تدلّ على أنّ اللّه تعالى هو الّذي اختار لهم شاول ملكا، لمكان مهابته و سطوته في العلم و الجسم. فجعل لهم عودة التابوت بتلك الصورة العجيبة غير المترقّبة آية لهم. فقد أرجع إليهم التابوت- بعد سبعة أشهر- بيسر و سهولة من غير قتال و لا جدال.
نعم هنا قد يبدو تخالفا بين القرآن و نصّ التوراة، حيث ظاهر التعبير في القرآن: أنّ عودة التابوت كانت بعد تمليك شاول. على خلاف ظاهر سفر صموئيل: أنّه كان قبل تمليكه.
و يجوز أن يكون سرد القصّة في السفر جاء على غير ترتيبها في الذكر، و هو كثير في كتابهم.
و كثير من أحداث تذكرها التوراة، لتدلّ على أنّها أحداث وقعت قريبة بعضها مع البعض، و أمّا أنّها على ترتيب وقوعها فلا، الأمر الّذي لا يخفى على المراجع.
و الحمل في قوله تعالى: تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ بمعنى الترحيل، كما في قوله تعالى: قُلْتَ لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ[١] أي ما أساعدكم على الرحيل، لأنّ الراحلة تحمل راكبها، و لذلك تسمّى حمولة.
فمعنى حمل الملائكة التابوت هو تسييرهم بإذن اللّه البقرتين السائرتين بالعجلة الّتي عليها التابوت إلى محلّة بني إسرائيل، سيرا بلا وقفة في اتّجاه مستقيم. من غير أن يسبق لهما إلف بالسير إلى تلك الجهة. و ما ذلك إلّا بعناية من اللّه و لطفه بعباده في تيسير الأمور.
فقوله تعالى: إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ إشارة إلى جميع الأحوال و الأوضاع الّتي مرّت خلال عودة التابوت، بلا تعب و لا قتال. و فيما يشتمل عليه التابوت من أسباب السكينة و البركات، و في مجيئه من غير سائق و لا إلف سابق، إنّ كلّ ذلك لدليل على أنّ هناك يدا وراء الحادث، خارج إرادة الناس، حيث شاء اللّه.
[١] التوبة ٩: ٩٢.