التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٥٠٠ - مزعومة نسخ التلاوة
الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، و التعبير بأنّها آية من كتاب اللّه مجاز، و لو كان ما قاله عمر من باب الحقيقة لا المجاز ...[١].
و عبارته الأخيرة لا تخلو من طرافة بل و ظرافة في التعبير أيضا، لأنّه إيحاء إلى التباس التبس على عمر في هذا الحادث الجلل، حيث اشتبه عليه طلاوة كلام الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بحلاوة كلامه تعالى فظنّ من أحدهما الآخر، فبدلا من أن يشبّه كلامه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بكلام اللّه تعالى و يأخذه مجازا على سبيل الاستعارة، أبدى اشتباهه في الأمر و ظنّه حقيقة، و هو و هم فاحش لا سيّما و إصراره عليه حتّى آخر أيّام حياته!
*** و أخيرا فقد تنبّه ابن حزم أيضا لخطئه في الدفاع الآنف، فحاول تلبيس الأمر بشكل آخر، قال: و لعلّ المراد بكلمة «آية» في قول عمر، هو الحكم الشرعي، باعتبار أنّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم وَ ما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى. إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى[٢]. و ليس مراده آية من نصّ الوحي القرآني. قال في كتابه «الأحكام» ما نصّه: قد قال قوم في آية الرجم، إنّها لم تكن قرآنا، و في آية الرضعات كذلك، و نحن لا نأبى هذا، و لا نقطع أنّها كانت قرآنا متلوّا في الصلوات. و لكنّا نقول: إنّها كانت وحيا أوحاه اللّه إلى نبيّه كما أوحى إليه من قرآن، فقرئ المتلوّ مكتوبا في المصاحف و الصلوات، و قرئ سائر الوحي منقولا محفوظا معمولا به كسائر كلامه الذي هو وحي فقط.[٣]
و قال في باب الرضاع من المحلّى: قالوا: قال الراوي: فمات عليه الصلاة و السّلام و هنّ ممّا يقرأ من القرآن، قول منكر و جرم في القرآن، و لا يحلّ أن يجوّز أحد سقوط شيء من القرآن بعد موت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم! فقلنا: ليس كما ظننتم، إنّما معنى ذلك: أنّه ممّا يقرأ مع القرآن و ممّا يقرأ من القرآن الذي بطل أن يكتب في المصاحف[٤]. أي كان وحيا نظير القرآن غير أنّه لم يكن ممّا يكتب في المصحف.
إذن فقد رجع عن مسألة جواز نسخ التلاوة دون الحكم في القرآن، و لا بدّ من الرجوع!
و إليك تصريحات أهل التحقيق من العلماء في إنكار هذا النوع من النسخ:
[١] فتح المنّان: ٢٢٤- ٢٢٦.
[٢] النجم ٥٣: ٤.
[٣] بنقل الأستاذ العريض في فتح المنّان: ٢٢٦- ٢٢٧.
[٤] المحلّى ١٠: ١٦ نقلا بالمعنى. و تقدّم تفصيله.