التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٥١ - هاروت و ماروت
قد يفتتن به من لا رجاحة لعقله و لم يكن له قلب سليم، فيزلّ و يقع في تيه الضلال.
و قوله: فَلا تَكْفُرْ أي لا تفتتن به كما افتتن السحرة و ضلّوا حين نسبوا التأثيرات للآلهة، و قد علمت سرّها الذي كشفناه لك! فمعنى فَلا تَكْفُرْ: لا تعجل باعتقاد ذلك، فإنّك إذا توغّلت في معارف السحر و كشفت رموزه، علمت أنّها معلولة لعلل من خصائص النفوس أو خصائص الأشياء. فالفتنة تحصل لمن يتعلّم السحر حين يرى ظواهره و عجائبه على أيدي السحرة و لمن كان في مبدإ التعليم، و لكنّه إذا تحقّق في علمه اندفعت الفتنة.[١]
و قال السيّد رشيد رضا: تلك أوهام و أكاذيب على نبيّ اللّه سليمان عليه السّلام افتجرها بعض الدجّالين من اليهود و وسوسوا بها إلى بعض المسلمين فصدّقوهم في بعض ما زعموه من حكايات السحر، و كذّبوهم فيما رموا به سليمان من الكفر.
و إنّك لترى دجاجلة المسلمين إلى اليوم يتلون أقساما و عزائم، و يخطّون خطوطا و طلاسم، و يسمّون ذلك خاتم سليمان و عهوده، و يزعمون أنّها تقي حاملها من اعتداء الجنّ و مسّ العفاريت و لقد رأيت شيئا من ذلك أيّام حداثتي و كنت أصدّقه و اعتقد بفائدته!!
و قد زعم اليهود أنّ سليمان سحر و دفن السحر تحت كرسيّة، و أنّه أضاع خاتمه الذي كان به ملكه، فوقع في يد آخر و جلس مجلسه إلى آخر ما خلطوا فيه التاريخ بالدّجل. و روي عنهم أنّ سليمان هو الّذي جمع كتب السحر من الناس و دفنها تحت كرسيّه ثمّ استخرجها الناس و تناقلوه
قال: و من البديهي أنّ ذكر القصّة في القرآن لا يقتضي أن يكون كلّ ما يحكى فيها عن الناس صحيحا، فذكر السحر في هذه الآيات لا يستلزم إثبات ما يعتقد الناس منه، كما أنّ نسبة الكفر إلى سليمان- التي علمت من النفي- لا تستلزم أن تكون صحيحة، و لو لم تذكر في سياق النفى!
قال الأستاذ الإمام محمّد عبده ما مثاله: بيّنّا غير مرّة أنّ القصص جاءت في القرآن لأجل الموعظة و الاعتبار، لا لبيان التاريخ و لا للحمل على الاعتقاد بجزئيّات الأخبار عند الغابرين، و إنّه ليحكي من عقائدهم الحقّ و الباطل، و من تقاليدهم الصادق و الكاذب، و من عاداتهم النافع و الضارّ،
[١] راجع: المصدر: ٢٢٥- ٢٢٦.